أهلية المثقف، بقلم: د. حنيف القاسمي

عندما نثير موضوع المثقف, مواصفاته وأهليته فلا شك اننا نبحث في موضوع في غاية الأهمية, وذلك بالنظر الى الاثار التي تترتب على أهلية المثقف من عدم أهليته.ولكن قبل ذلك يجب ان يكون هناك اقرار بضرورة وجود مثل تلك الأهلية . أعلم ان هذا الموضوع سوف يثير العديد من الهموم ذات الصلة بواقعنا الثقافي, غير انني لا أحاول هنا أن اقدم صورة بائسة لهذا الواقع, تبعث على التشاؤم والاحباط. فمهما حفل هذا الواقع بالعديد من مظاهر الخلل فان أحدا لا يستطيع انكار ان هناك حركة ثقافية ايجابية متزايدة يشهدها العالم العربي, من مظاهرها انتشار المراكز الثقافية والمؤسسات العلمية وازدياد الانشطة الثقافية في مجالات الفكر والكتابة والادب والفنون مع حركة النشر والتوزيع النشط ولكن مع الاقرار بوجود كل ذلك فانه لا يرقى لدرجة احداث نهضة ثقافية شاملة بعد وضوح ملامح مشروع الامة الحضاري, تم الاتفاق على أهدافه, وكذلك على الوسائل الموصلة اليها, ويجب ان تكون تلك النهضة انعكاسا حقيقيا لذلك المشروع, وتكون كذلك احد اهم الوسائل لتحقيق اهدافه ولا ريب ان هناك دورا هاما متوقعا من المثقفين لكي يسهموا في وجود تلك النهضة واحداث ذلك التحول نحو الافضل واذا كان الامر كذلك, فان هناك مبررات عديدة لتساؤلات حول المثقف, من قبيل: من هو المثقف وماهي صفاته؟ وماهي شروط أهليته؟ وكيف نتحقق من تلك الاهلية وشرعيتها؟ وهل ما يصادفنا في ساحتنا الثقافية مثقفون حقيقيون ام مدعون؟ أحسب ان طرح مثل هذه التساؤلات امر مطلوب, بل ومشروع في الوقت نفسه, خاصة واننا نشهد زمانا كثر فيه الادعياء, واصبح الانتساب الى طائقة المثقفين وحمل لقب (مثقف) لا يتطلب في كثير من الاحيان سوى التعلق بشهادة مشبوهة, او التوسل بوسائل الاعلام النافذة, وهي وسائل كفيلة في تقديم اولئك الادعياء بحسبانهم مثقفين لامعين! وحيث ان الساحة حافلة بالعديد من الشواهد على الخلل الذي تعاني منه منظومتنا الثقافية, فإني اكتفي بمثالين صارخين لتلك الشواهد, ضاربا الصفح عن ذكر اسمائهما, مكتفيا بأوصافهما. اذ المقصور من الاشارة اليهما هو استخلاص العبر لما يمكن ان يؤدي اليه الزيف الثقافي من نتائج وآثار هي بسبب عدم الاهلية التي نتحدث عنها. الأول نموذج بائس للاختلاس الثقافي, وهو لكاتب صحافي له عمود اسبوعي, اكتسب شهرة كبيرة بفضل الكتابات المنحولة, التي يدعي نسبتها اليه. ولكي تتبين زيف هذا الصنف فإنه يكفيك ان تقارن تلك المقولات المنشورة بجمل قليلة مما سطره الكاتب حقا. فحينئذ ينكشف المستور, وتدرك انك امام نموذج لا ينقضي عجبه, كأنك تقارن بين شاعر مبتدىء يتعلم قواعد الشعر وأصوله بشاعر آخر في مستوى أبي الطيب المتنبي أو ابي فراس الحمداني. لا تجد صعوبة في التفريق بينهما. الطامة في صاحبنا (المثقف) ليس فيما ينشره (اذا شئت الدقة: فيما ينشر له) فتلك صغيرة لا تقاس بما يحدثه من اختراق خطير في مجتمعه بفضل تلك الشهرة الزائفة. فهو في الدوائر والمؤسسات الرسمية ذلك (الدكتور) الذي تبدو صورته مقترنة بذلك المقال الاسبوعي. وهو ان اراد تحقيق مصلحة شخصية, او سعى في شفاعة (غالبا ما تكون سيئة) فهو ذو الكلمة المسموعة التي تجد طريقها الى الانجاز. أعرف العديدين من هذا الصنف, وسعدت كثيرا عندما خبا بريق احدهم بعد ان توقفت كتاباته الاسبوعية الضاربة في اعماق كل تخصص. واذكر تعليق احد الظرفاء العارفين بأسرار ذلك الكاتب (المثقف) وقدراته المحدودة, والذي يقول فيه: يبدو ان الكاتب الحقيقي قد مات, والبحث جار عن كاتب بديل, والكتابة متوقفة حتى اشعار آخر! اما المثال الآخر, فهو لحامل شهادة دكتوراه من احدى الجامعات والتي لفرط مرونتها لا ترد يد لامس! وكل درجة أو شهادة عندها بأسعار. صاحبنا (الدكتور) يشغل منصبا هاما لا يصل اليه المجدون الحقيقيون, الا بشق الانفس, وبعد سنين طويلة من الخبرة وبذل الجهد واثبات الجدارة. في الحالة الثانية تتجلى المشكلة في اسناد الأمر الى غير أهله, وهو بلا شك في غاية الخطورة. وتحمل دلالات سلبية عديدة, أهمها الاحباط الذي يسببه للفئات الجادة والتي تسعى بكل ما أوتيت من موهبة وعلم وتميز الى نيل ثمار جهدها. كما انها في الوقت نفسه تدفع الى مزيد من الزيف الثقافي وتروج له. كما تشجع الكسالى على (تتبع الرخص) في الحصول على الشهادات العلمية. (في وصف هذه الشهادات بــ (العلمية) تجاوز ظاهر, وهو بلا شك غير معبر عن حقيقتها) والمصادر الهزيلة المانحة لتلك الشهادات لم تعد خافية على أحد. والمؤسف ان هذه المنطقة من العالم, أعني منطقة الخليج, أصبحت من المناطق المستهدفة من قبل تلك المصادر, حيث وجدت فيها سوقا رائجة لتسويق تلك الشهادات التي لا تعكس في واقع الأمر أي أهلية أو استحقاق لحاملها. ولعل ما سبق من بعض آثار عدم أهلية المثقف يعد ضئيلا اذا ما قيس بجناية طائفة أخرى تدعي الصفة ذاتها, لكنها تمارس تخريبا كبيرا في البنية الثقافية, وتسعى الى هدم الثوابت المنبثقة عنها. ويقودنا هذا الأمر الى الحديث عن المثقف وأزمة الهوية, والتي انعكست على الوحدة الفكرية للمنتمين الى الثقافة العربية الاسلامية. ومن ثم في وضوح المشروع الحضاري الذي تقدمت الاشارة اليه ثم في أولويات العمل في المرحلة الراهنة. ولعل الناظر في ساحتنا الثقافية يدرك بوضوح ذلك الاشتباك الفكري الذي يأخذ حيزا كبيرا من جهود المنتمين الى تيارات فكرية مختلفة مع اشعال للحرائق بينها. ويعجب المرء من جود تلك الضجة والاثارة ذات الحساسية الشديدة بين الاطراف الداخلة في ذلك الاشتباك الفكري المفتعل. وتتجلى المفارقة الغريبة في الخلل المشهود في اولوياتنا عند مقارنة مايثيره الكثيرون من مثقفينا بالقضايا التي ينقاشها المهتمون الغربيون بالشأن العربي, هم يتحدثون عن همومنا الكبيرة الغائبة عن الاجندة المعلنة في الوسط الثقافي العربي في كثير من الاحيان, الامثلة على تلك الهموم الغائبة كثيرة, منها على سبيل المثال الفقر والفساد وحقوق الانسان و حرياته ونحو ذلك من المسائل التي لاتخفى اهميتها وخطورتها لدى اي مثقف في اي مجتمع. هناك ــ بلا شك ــ فئة واعية, تدرك مشاكل مجتمعها وهمومه واولوياته, وتلفت الانظار اليها وتتحاول بث الوعي العام بشأنها وتحث الجميع على الاسهام في حلها. اذكر هذا واتذكر ماتناوله الاخ الاديب والكاتب البارز محمد المر في شأن الخلل في تركيبتنا السكانية, مطلقا التحذيرات بشأن خطورة تلك المشكلة او الكارثة على الهوية الثقافية لابناء هذه البلاد وأمنها. وقد كانت مقالاته المنشورة في العام الماضي من اكثر الكتابات عمقا في شأن تلك المشكلة, غير انها وللأسف لم تجد متابعة جادة ولائقة من قبل الباحثين والاكاديميين المعنيين بهذا الشأن. اعود بعد هذا الاستثناء لتلك الفئة الصغيرة من المثقفين الى المفارقة التي تقدمت قبل قليل, واشير الى ما كتبه الاستاذ فهمي هويدي في هذا الموضوع, حيث قام بتشخيص تلك الحالة مع تحليل الاسباب التي ادت الى حدوثها فالمسألة في نظرة بحاجة الى مناقشة موسعة تبلور تشخيصا للحالة وتبحث عن حلول للأزمة. ملخص كلامه يتمثل في عناصر تلك الازمة وهي الافتقار الى رؤية واضحة لاطار المشروع الوطني الذي يمثل (البوصلة) الهادية للجميع, ويحدد لهم طبيعة الارض التي يقفون عليها, والانتماء الذي يعبرون عنه. والمقاصد التي يسعون اليها. اذ ان من اخطر افرازات مرحلة (اللامشروع) اختلاط مثل هذه الامور كلها. ومن ثم استسلام قطاعات عريضة للحيرة والضياع ثم في اثار الافتقار لتلك الرؤية, والمتمثلة في غياب الاجماع الوطني, حتى شمل ذلك الغياب قضايا جوهرية مثل مسألة الهوية والانتماء, ومفهوم الامن القومي حيث يعتبره البعض وهماً ينتمي الى مرحلة (انفعالية سابقة) ثم في تراجع الانشغال بهموم المجتمع واستغراق المثقفين اما في ذواتهم او في الترويج لهموم النخب السياسية. والخلاصة ــ في رأي الاستاذ فهمي ــ ان هذا الموقف يعبر عن أزمة حقيقية, لانه يفقد المثقف شرعيته عند الأصوليين, فإن المجتهد الذي لا يكون عارفاً بالواقع ومدركاً لحقائقه وطبيعته, لا يكون مثقفاً غير ان الامر يتعذر حسمه بهذه السهولة, لان ثورة الاتصال وقوة وسائل الاعلام فتحتا الابواب لاصطناع العديد من المثقفين والنجوم, ونجحتا في فرضهم على الرأي العام والحياة الفكرية, ويضيف: على زماننا كان المثقف لا بد ان يقضي سنوات طويلة من عمره حتى يكتسب شرعيته في المجتمع. ولكن التلفزيون هدم هذه الفكرة واصبح بمقدوره ان يقدم الى الناس مثقفين جاهزين (معلبين!) لا يحتاجون الى ذلك الوقت, وانما ينفذون الى العقول والبيوت في أزمنة قياسية, صحيح ان المثقف (التايواني) قصير الاجل, والذي يبقى في النهاية هو المثقف الاصيل, لكن المشكلة انه اصبح بمقدور التلفزيون ان يفرض على الناس باستمرار نمط المثقفين (المعلبين) أو (التايوانيين) . لا شك ان ما ورد في هذه الخلاصة تنطبق على معظم مثقفي هذا الزمان عند تعريفهم, وتذكرنا بأهمية الأهلية التي يجب ان تتحقق في وصف المثقفين الحقيقيين الذين نرجو ان يكونوا هم الأصل لا الاستثناء. * مدير جامعة زايد بالانابة

تعليقات

تعليقات