الحل لن يأتينا من الخارج،بقلم: أحمد عامر شعث

لابد لمن يتأمل حال الامة العربية خلال السنوات العشر الماضية ان يصاب بالدهشة من التغير المذهل الذي طرأ على احوالها وخصوصا من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية.وقد كانت هذه التغييرات جذرية في تأثيراتها اذ انها غيرت من التكوين الاجتماعي والمالي والاقتصادي للشعوب العربية وفرضت عليها القبول بهيمنة دولية تجارية استهلاكية على انماط حياتها اليومية في كل ما تلبسها وتفكر فيه ولم تكتف عند هذا الحد بل تجاوزته إلى حد التأثير على سلوكياتها وقيمها ومبادئها ونغمة الموسيقى التي تحب الاستماع اليها والافلام التي تود مشاهدتها واسلوب التعليم الذي تتلقاه بل وإلى انواع الاطعمة التي ترغب في تناولها. المشكلة ليست في التغيير في حد ذاته فالتغيير هو اساس التطور وبدونه لبقيت البشرية على حالها منذ آلاف السنين دونما اي تقدم أو تعديل, ولكنها تكمن في كون التغيير الذي نشهده في الفترة الحالية في الواقع تراجعا إلى الخلف واستسلاما منا لشروط وطباع الاخرين الذين طالما شككنا في نواياهم نحونا وخروجا عن التعاليم الدينية والاجتماعية التي الزمنا بها الخالق, لذا فقد كان من الطبيعي ان ينتهي بنا الحال إلى هذا المستوى المتدني في كل احوالنا الحياتية بما فيها الاحوال الاقتصادية والثقافة العامة والوعي الاجتماعي والقدرة الانتاجية واكتساب الاحترام من الاخرين. ونستطيع تحليل الحال العام للدول العربية بصفة عامة, سواء اكانت الحكومات ام الشعوب, بأنها دول لا تنتج بنفس مستويات الاستهلاك اذ انها تشتري اكثر مما تبيع بدون توفر المصادر المادية لمثل هذا الاستهلاك فتقوم باستدانة هذه الاموال على شكل ديون عالية الفوائد تبقى تدفع اقساطها لعشرات السنوات مما يحول دون وضع برامج تنموية شاملة تؤدي إلى تنمية في الامكانيات الفنية والبشرية والاستفادة القصوى من الموارد المتاحة والمتوفرة بغزارة في كافة انحاء الوطن العربي. ونجد انفسنا في نهاية الامر اننا اصبحنا اكثر اعتمادا على الدول الغربية وعلى قروضها الباهظة. فهل من المنطقي مثلا ان تقوم اقراض شخص دخله الشهري 500 دولار فقط مبلغا يتجاوز الخمسة ملايين بدولار؟ وان قمت بذلك فكيف ستسترد نقودك منه؟ لابد من التمعن في سر هذه القروض التي اصبحت سيفا مسلولا على رقاب الدول العربية فالجهات الغربية تعلم جيدا ان الدول النامية لا تملك امكانيات تكفي لاعادة هذه المبالغ الضخمة وان ما سيتم ارجاعه سيقتطع من افواه الشعوب المسلوبة الارادة, كما ان جهات التمويل الغربية لا ترجو اعادة الاموال قدر ما تود فرض انظمتها الاقتصادية والسياسية على المنطقة والتحكم في ثرواتها والتأثير على حكوماتها بحيث تصبح هذه الحكومات (والشعوب كذلك) سلبية الارادة وغير قادرة على الاندفاع نحو اهدافها الوطنية والقومية. وقد وضعت هذه الدول الصناعية انظمة وضوابط تحتكر بموجبها حقوق انتاج وتطوير أي نوع من التكنولوجيا حتى باتت الدول النامية لا تتمكن من الحصول على هذه التكنولوجيا الا بعد دفع حقوق باهظة للشركات الغربية, وقد سنت هذه الدول الانظمة والقوانين التي تستطيع فرض عقوبات تجارية على الدول التي لا تنصاع الى هذه القوانين, كما تم وضع اتفاقيات دولية لحماية الملكية الغربية للمعلومات والخبرات واجبرت الدول النامية على توقيعها مقابل الحصول على مزايا تجارية اضافية مع الدول الصناعية, ومن هنا كانت نواة مبدأ العولمة الذي بات امرا حتمياً يكرس السيطرة المالية والتقنية والصناعية للدول الغربية ويضمن تفوقها الكمي والنوعي على الدول النامية المقيدة الموارد والامكانيات والتي اصبحت اسيرة لما تمليه عليها هيئات الاقراض الدولية ومموليها من الحكومات الغربية مما يسمح لهم باملاء سياساتهم المالية والاستراتيجية على انظمتها ونشاطاتها, اذ ان هذه القروض لا تقدم لدول لا تربطها بالدول الممولة علاقات جيدة. ان تجاهلنا وجهلنا للمصالح المشتركة التي تربطنا ببعضنا البعض هي السبب الرئيسي في تردي احوالنا الاقتصادية والاجتماعية, فمعظم الدول العربية لا تهتم بتوافر المواصفات الفنية او جودة النوعية لمنتجاتها وهي بالتالي تفتقر إلى التنافسية مع المنتجات الغربية التي تعتمد إلى حد كبير على مراقبة الجودة والابحاث المساندة لعملية الانتاج, لذا فان المستهلك العربي اصبح لا يثق الا بالمنتجات المستوردة, وهو ذات الشخص الذي قد يكون منتجا لسلعة اخرى لا يثق بها مستهلك اخر, وبينما نولي ظهورنا للصناعات المحلية مهما كانت متطورة ومنافسة نجد ان الغرب يتقوقع على نفسه ويضع ضرائب مزدوجة على الاستيراد تحول دون وصول منتجات الدول النامية إلى اسواقه ويتكتل بتحالفات ومناطق تجارية متجانسة مثل السوق الاوروبية المشتركة وتحالف دول شمال امريكا ودول كومنولث الاتحاد السوفييتي, لقد آن الاوان ان نضع في الاعتبار جدول اعمال تدريجي يهدف الى ربط الدول العربية تجاريا واقتصاديا ويضع القوانين الموحدة التي تهدف الى النهوض بالمستوى الانتاجي العربي خاصة في مجالي الزراعة وتنمية الموارد البشرية. كاتب فلسطيني

تعليقات

تعليقات