إرهاب الدولة وإرهاب الجماعات: بقلم- فايز سارة

مازالت الدول والجماعات تختلف بشأن مفهوم الارهاب بل ان الاختلاف حول مفهوم الارهاب يمتد الى مابين الدول, وفي احيان اخرى الى ما بين الجماعات , حيث تتفاوت فكرة دولة عن غيرها كما تختلف نظرة هذه الجماعة عن تلك من الجماعات في رؤيتها لمفهوم الارهاب. والسبب الرئيس في اختلاف الدول والجماعات ــ وفيما بينها ـ بصدد مفهوم الارهاب ليس ناتجا عن اختلاف العقائد فقط بل واختلاف المصالح والغايات السياسية ايضا وهو يتمد الى مايحيط بموضوع استخدام القوة والعنف وهو اساسي في مفهوم الارهاب من اشكالات تقبل تقليب الموضوع ليصير الى نقيضه الذي تشير اليه دول وجماعات مختلفة في العالم باعتباره نضالا عادلا ومشروعا من اجل الحق, وهو ما يتصادم مع طبيعة واهداف الارهاب. واذا جاز لنا التقرب من مفهوم الارهاب في محاولة مبسطة لتعريفه, لأمكن القول انه كل عمل يستخدم القوة, ويتسم بالعنف والهدف منه تحقيق غايات تتعارض مع الحقوق والاهداف العامة في مستوياتها المحلية او الاقليمية. وبتقريب هذا التعريف المبسط الى سياسات وممارسات الدول والجماعات المنظمة في انحاء كثيرة من العالم نستطيع القول ان كثير من سياسات وممارسات دول وجماعات لها صفة الارهاب وكلما زاد حضور هذه الصفة في ممارسات وسياسات هذه الدول والجماعات صار بالامكان وصفها بـ (الدول) او الجماعات الارهابية. واجتماع الدول والجماعات تحت صفة الارهاب, لايعني انها تتساوى مع بعضها بعضا, او انها يمكن ان تجمع في سلة واحدة, ذلك انه من البديهي القول باختلاف الدول عن الجماعات من حيث اختلاف طبيعة كل منها ومسؤوليته ازاء المجتمع هذا اذا تجاوزنا طبيعة وامكانيات كل منها ولكل واحد من هذه الاختلافات اثر مميز في تبني الدول او الجماعات المنظمة الارهاب وممارسته. وبطبيعة الحال فإن الدول التي تمارس الارهاب وكذلك الجماعات المنظمة لايمكن ان تكون متماثلة وان كانت تتشابه في الكثير الامر الذي يجعلنا في النهاية امام حالات محددة من الدول وكذلك من الجماعات التي تمارس الارهاب وتتخذه سبيلا من اجل تحقيق اهداف وغايات معينة. وفي مقاربة عملية لاختلاف الدولة عن الجماعات التي تنضوي معا تحت صفة الارهاب يمكن استحضار النموذج الاسرائيلي وفيه مثال الدول الارهابية كمافيه نماذج عن الجماعات الارهابية اليهودية وبين التاريخ المكتوب كثير من تفاصيل الدولة الاسرائيلية الارهابية والجماعات الارهابية اليهودية منذ ان بدأ مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين قبل مائة عام الى قيام اسرائيل عام 1948 الى وقتنا الراهن, حيث ان استخدام القوة وممارسة العنف واساليب الابتزاز والاكراه للحصول على حقوق وامتيازات غير مشروعة في فلسطين وجوارها العربي, كان السمة المميزة لنشاط الجماعات اليهودية التي سبقت قيام اسرائيل ومنها (هاجاناة) و (ايتسل) ثم ميزت بعد ذلك ممارسات اسرائيل, والجماعات اليهودية الارهابية التي تم احداثها في ظل اسرائيل لاحقا, والتي بينها (كاخ) و (غوش امونيم) و (ارهاب ضد الارهاب) . ان الفارق الرئيس بين الدولة الاسرائيلية التي تجمعها صفة الارهاب مع الجماعات اليهودية فيها, انما يبدو في ان الثانية مجرد عصابات منظمة من افراد ينتمون الى اتجاه ايديولوجي ــ سياسي موحد, له اهداف خارج اهداف الدولة, وان كانت تتقاطع مع بعض اهداف الاخيرة وهو يقصر عمله على الاهتمام بتحقيقها فيما الدولة الاسرائيلية تنضوي في اطار تنظيم عام للعالم تؤثر فيه وتديره مؤسسات ومواثيق متوافق عليها تقوم في ظلها علاقات دولية تفرض سوية معينة من المسؤولية عن الاهداف والغايات المعلنة, وعن السياسات والممارسات التي يجري القيام بها ويتم ضبط ايقاعها وتوافقها مع توجهات المجتمع الدولي بمؤسساتها وتنظيماتها ومع اتجاهات الرأي العام العالمي. ويترتب على الافتراقات بين الدولة والجماعات اختلافات جوهرية في شكل ومحتوى الارهاب الممارس من جانب الطرفين والذي يمكن تميز بعض ملامحه على اساس: ان ارهاب الجماعات له طابع محدود في حجمه وفي تأثيره وغالبا في انتشاره وفي اهدافه, وتبين مسيرة ارهاب الجماعات اليهودية, ان معظم اعمالها غير معلن عنها ثم انها اعمال موجهة الى اهداف بعينها, ومنها اهداف ضد مؤسسات وافراد عرب داخل فلسطين والمناطق العربية المحتلة, قد توجه اعمالها ضد اهداف يهودية بعض الاحيان ورغم ان اعمالها تتم تحت طابع السرية ومنها التفجيرات وحالات التسميم وتخريب المنشآت فإن بعض اعمالها يكون علنيا مباشرا في مواجهات مع المدنيين الفلسطينيين. اما ارهاب الدولة فله طابع عام من حيث ادواته واهدافه ومدى انتشاره ففي الولايات المتحدة يتداخل نشاط الاجهزة والمؤسسات التابعة للدولة وبخاصة نشاط كل من الجيش الاسرائيلي وجهاز المخابرات الاسرائيلي (الموساد) والطابع العام لنشاط الاول هو العلنية, ومثال ذلك قيام الجيش الاسرائيلي بتدمير معسكر الامم المتحدة في قانا أبان عدوان 1996 على لبنان والذي ذهب ضحيته اكثر من مائة شخص مدني من اطفال ونساء ورجال لجأوا الى المعسكر. اما الطابع العام لنشاط الموساد فهو سري, يتم خلاله تنفيذ عمليات خاصة بعضها يتم الاعلان عنه واخر يظل طي الكتمان مؤقتا وربما الى الابد وبين عمليات الموساد التي تم الكشف عنها او انكشافها عمليات اغتيال العديد من قادة الفلسطينيين في لبنان وبينها اغتيال ثلاثة من قادة م.ت.ف ربيع عام 1973 وكذلك محاولة اغتيال خالد مشعل احد زعماء حركة حماس في الاردن صيف عام 1997 وفي هذا السياق تنضوي عمليات الموساد في مصر بعد انخراط الاخير في مسيرة سلام مع اسرائيل وبينها تنظيم عمليات تجسس, ونشر للمخدرات ولمرض نقص المناعة (الايدز) في مصر. ويتميز ارهاب الدولة بامكانية الدمج بين النشاط العلني للجيش والنشاط السري لاجهزة الامن وان يكن ذلك في نطاق اعمال لها طبيعة خاصة تحتاج تعاونا مشتركا على نحو مايجري غالبا في لبنان. ويتمتع ارهاب الدولة بأمكانيات كبيرة توضع في خدمته, مما يجعل من السهل تعدد اهدافه لتشمل عملياته اهدافا عسكرية وسياسية واقتصادية تندرج جميعها في سياق اهداف العمل الارهابي كما يتصف حيزة الجغرافي بالاتساع, وفي نموذج ارهاب الدولة الاسرائيلية يمكن ملاحظة ان عملياتها الارهابية وبخاصة عمليات الموساد التي لاتقتصر على اعمال في الداخل الفلسطيني والمحيط العربي, بل تمتد عبر البلدان والقارات, وبخاصة حيث تتواجد اهداف يكن في التعامل معها مصلحة اسرائيلية ملحة, وقائمة العمليات الارهابية الاسرائيلية في هذا طويلة لاحدود لها. ان واقع العالم وتصاعد نشاطات الارهاب فيه سواء كانت تمارسها الدول او الجماعات بات يتطلب وقفة موضوعية هادئة تبحث في موضوع الارهاب وتفصله عن النضال المشروع من اجل اهداف عادلة واذا كان من الصعب في ضوء الواقع التوصل لاتفاقات وتقارب في وجهات النظر فان للبحث في موضوع الارهاب فضل يتحقق بمجرد الدخول في نقاشه, وهو تحديد تخوم عامة يمكن الاستنارة بها في تقييم اعمال العنف والقوة التي يشهدها العالم وتقوم بها الجماعات والدول والتي بين احداثها الاخيرة عمليتا تفجير سفارتي الولايات المتحدة الامريكية في نيروبي ودار السلام, ثم الضربات الامريكية ضد افغانستان والسودان وضربة الاخيرة كانت موجهة ضد معمل 0(الشفاء) للادوية في الخرطوم.

تعليقات

تعليقات