لا عنتر ولا شداد!بقلم- محمود السعدني

العبدلله من دراويش ابو عمار وليس بسبب دروشة العبدلله انني بهلول (ومعبوط) أو لافف حول دماغي شال اخضر ولكن دروشتي لها اسباب وحيثيات , فالرجل لم يقصر خلال رحلة كفاحه الطويلة, لم يتردد في خوض الحرب عندما كانت الريح مواتية والجو طيب, ولم يعش حياته كغيره من الناس ولكنه عاش زاهدا ومنطوياً وقضى اغلب وقته في الغرف المغلقة وفي الخنادق وخلال حياته كلها لم يكن له سوى هدف واحد, ان يحصل على اي مساحة من ارض فلسطين يضع اقدامه عليها ويرفع اعلامه في جوها ويحتفظ من خلالها باسم فلسطين حيا ونابضاً. اما تحقيق الهدف فيتوقف على عناصر كثيرة, الموقف العربي خصوصاً والموقف الدولي عموماً. وعندما رفض ابو عمار الاشتراك في كامب ديفيد كان الموقف العربي لا بأس به, قامت الجبهة الشرقية لتكون عوضا عن الجبهة الغربية, ان فتحت الحدود بين سوريا والعراق بعد قطيعة طويلة, ولاح بريق امل بقيام الثورة الايرانية وكان اول قرار لها طرد السفير الاسرائيلي وتسليم مقر السفارة لمنظمة التحرير الفلسطينية ولكن, وآه من لكن هذه, واذا كان عمك سيبويه قد مات وفي نفسه شيء من حتى, فالعبدلله يموت وفي نفسه شيء من لكن, اعود فأقول ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان, سقطت الجبهة الشرقية وانقطع الاتصال بين بغداد ودمشق, ثم نشبت الحرب المجنونة بين العراق وايران, ونزف العرب دماءهم وفلوسهم خلال 8 سنوات رهيبة ولم تكد الحرب تتوقف حتى وقع غزو العراق للكويت, وعادت الامة العربية الى سابق عهدها ايام الجاهلية, قبائل وعشائر ومن سوء حظ ياسر عرفات انه انضم بصراحة الى القبيلة الخاسرة ثم توالت الاحداث المؤسفة الخروج من لبنان وبعثرة القوة الفلسطينية من تونس الى اليمن, وخروج الفلسطينيين من الكويت, وتناقص العون المالي, ثم جاء الفرج وهو الوحيد الذي كان يشعر بالسكين بين كتفيه, ولذلك غافل الجميع وذهب سراً الى اوسلو وانتزع من براثن اسرائيل اتفاقاً دفع رابين حياته ثمناً له, لم تكن اوسلو بالطبع هي الحلم وهي الامل, ولكنها كانت الممكن, الممكن في ظروف العالم العربي والظروف الدولية, وبالطبع لم يسلم أبو عمار من اتهامه بالتفريط وبالخيانة, من بين الذين وجهوا الاتهامات اشاوس من النوع الذي ان فلا بأرض طلب الطعن وحده والنضال ومنهم من اكتفى بدعم فلسطين بمنحها من طرف اللسان حلاوة, لم يقدم لها دولارا ولم يمنحها بندقية ومن بينهم ايضاً اصحاب النوايا الطيبة الذين يتصورون ان تحرير الارض وعودة القدس, يمكن تحقيقه بنسف مقهى في تل ابيب او خطف عسكري اسرائيلي وقتل او القاء طوبة على سيارة عسكرية ولكن الجميع اصحاب المزايا الطيبة واصحاب النوايا الخبيثة اتفقوا على شيء واحد, هو اتهام ابو عمار بالخيانة والجميع نسوا او تناسوا ان ابو عمار قالها صريحة منذ اعوام, وكان تصريحه ردا على اصحاب شعار من النهر الى البحر. قال ابو عمار غاية ما اصبو اليه هو تحرير الارض من النهر الى اريحا, وسأكون جندياً صغيرا مطيعا في جيش البطل الذي يحرر من اريحا الى البحر! ولكن اين هو البطل؟ في الظروف التعيسة الني نعيشها اليوم. والعبدلله لا يتهم احدا بالخيانة او بالعمالة ولكن هؤلاء السادة الحالمين يذكرونني بالمرحوم الزميل عبدالستار الطويلة عندما كنا معا نزلاء سجن الواحات الخارجة سألت عبدالستار عن الوسيلة التي سنخرج بها من السجن؟ ورد عبدالستار واثقاً من نفسه, سنخرج من هنا بزحف جماهيري, يا سلام العبارة حلوة ووقعها على الاذن احلى واستعنت بعبدالستار للصعود الى النافذة والقيت نظرة فاحصة على حوش السجن وعلى الصحراء المحيطة به, ولم اجد احدا يزحف الا العساكر, عساكر من حراس السجن وعساكر درجة ثانية وعساكر من حرس الباشا اسماعيل ضمت وكيل مصلحة السجون, عساكر من كل الاعمار ومن رتبة النفر الى رتبة الصول, وكان اقرب جماهير الى السجن على بعد مائتي كيلومتر من اسيوط, موقف هؤلاء السادة هو موقف المرحوم الزميل عبدالستار, انهم في انتظار الزحف الجماهيري لانقاذ القدس وتحرير فلسطين! واقول للسادة الاشاوس والسادة النشامى نحن اليوم في عالم لا يعلم مدى بشاعته الا رب العباد والولايات المتحدة الامريكية فهي صاحبة الامر والنهي في عالم اليوم.. وهي لا تهزل ولا تمزح, وهي استطاعت ان تهزم اكبر دولة على ظهر الارض, ونجحت في تحويل شعبها الى شحاتين وقوادين وعاهرات, اليس هذا هو حال الاتحاد السوفييتي الآن؟ والعبدلله لا يذكر هذه الحقيقة لكي يثبط من عزيمة المناضلين, فما اسعدني لو نهضت امة من الامم استطاعت ان تضرب الولايات المتحدة على قفاها, وان تلحق بالولايات المتحدة ما الحقته بروسيا من مهانة واذلال, ولكن حتى تظهر هذه الامة.. فما العمل؟ وما هو السبيل؟ ثم هل اتاكم نبأ التحالف الجديد بين امريكا واسرائيل الذي تم توقيعه هذا الاسبوع؟ والتي تعهدت امريكا بمقتضاه بحماية اسرائيل من الصواريخ البلاستية والغازات السامة وكل اسلحة الدمار الشامل, والمقصود طبعا من حماية اسرائيل من صواريخ ايران وصواريخ سوريا وان اسلحة اخرى تظهر في محيط العالم العربي وتهدد امن اسرائيل يعني ببساطة.. اذا تعرضت اسرائيل لاي خطر حقيقي, ستشمر امريكا عن ساعدها وتشترك في القتال, واسأل السادة الأشاوس مرة اخرى.. اذا حدث هذا, ما العمل؟! الزحف الجماهيري اياه؟! اقول هذا وكان بودي ان يعالج ابو عمار اموره مع المعارضة الفلسطينية بطريقة افضل لانه بدون معارضة في مفاوضات الحل النهائي سيكون وضعه اشبه بوضع غزالة بريئة وسط قطيع من الذئاب ولو كان العرب يعيشون عصرهم لمارسوا التفاوض بفريقين, فريق يفاوض وفريق يعارض ولكن العرب للأسف الشديد يعيشون في عصر وبأسلوب عنتر بن شداد, وفي زمن اغبر ليس فيه عنتر ولا شداد!

تعليقات

تعليقات