الدور السياسي للمؤسسات الدينية في القدس: بقلم- محمد خالد الازعر

من بين كل مفردات المنظومة المؤسساتية العربية في القدس, تشغل المؤسسات الدينية الاسلامية والمسيحية البارزة, مكانة استثنائية في العقل الصهيوني لان هذه المؤسسات تتعلق بالابعاد الدينية والروحية التي يصعب , ان لم يستحل, استئصالها من دون ثمن سياسي واخلاقي ومادي, قد لا يكون للمشروع الصهيوني قبل بدفعه. لقد ثبت بالتجربة العيانية ان المؤسسات الدينية كانت ومازالت بمثابة (الجوزة القوية) التي لم تنكسر تماما في احلك الظروف, وجاء حين من الوقت كانت فيه الحاضنة الاولى للعمل السياسي الفلسطيني العام, وحاملة هموم عروبة المدينة بشكل خاص, واعتقادنا ان هذا الدور ما انفك قائما إلى يومنا هذا. لدينا على هذه النظرية ثلاثة امثلة من مراحل مختلفة, لها دلالة في الصراع على أيلولة القدس ومصيرها. المثل الاول من زمن الانتداب, فقد كان (المجلس الاسلامي الاعلى) اكبر مؤسسة سياسية (ودينية طبعا) وكان رئيسه المفتي (امين الحسيني) رأس الحركة الوطنية الفلسطينية, وهي مكانة حسد عليها المجلس ورئيسه من الجانب الصهيوني, ومن الصهاينة من رأى ضرورة القضاء عليها أو كحد أدنى, إبراز مؤسسة يهودية موازية بالقدس, إن كانت الصهيونية تأمل حقا في انتزاع المدينة. ومن ذلك, دعوة الكاتب الصهيوني (إتمار بن آفي) تحت عنوان موحي هو (مفت ضد مفت) في يناير ,1932 والتي عبر فيها عن حقده الشديد على النفوذ العالمي للحاج امين الحسيني, واشار إلى ضرورة انشاء مجمع ديني يهودي كبير في القدس, يضم كبار الحاخامين وهو ما يسمى بالسنهدرين اي الكنيس الاكبر, وكان الرجل يرمي من ذلك إلى اقامة مؤسسة دينية يهودية عليا تنافس المجلس الاسلامي الاعلى, واعترف الكاتب بأن (اليهود يفتقرون إلى زعيم ديني سياسي من طراز الحاج امين) . المثل الثاني يعود إلى بداية استكمال الاحتلال الاسرائيلي للقدس عام ,1967 فبعد ان راح الاسرائيليون يتعجلون السيطرة على مؤسسات المدينة, ويعلنون حسمهم للصراع عليها لصالحهم, ووجهوا بعقبة المؤسسات الدينية والقضاء الشرعي والمدارس التابعة لهذه المؤسسات, وقد تعقدت هذه القضية بصدور فتوى من الشيخ (سعد الدين العلمي) في 24/7/67 تنص على: حق المسلمين في ادارة شؤونهم الدينية بأنفسهم في حال غياب الحاكم المسلم. لقد كالت هذه الفتوى ضربة قوية ضد محاولة وزارة الاديان الاسرائيلية للسيطرة على الشؤون الاسلامية في القدس الشرقية (والضفة) وعلى الاثر, تشكلت (الهيئة الاسلامية) التي اعادت دور المؤسسات الدينية إلى المسرح المقدسي, بعد حالة الركود التي طالته بين عام 1948 و,1967 وراحت الهيئة الجديدة تستقطب الولاء السياسي, بما دفع سلطات الاحتلال إلى ابعاد رئيسها في 14/9/1967 وكثيراً من اعضائها بعد ذلك, ومع ان مضايقات السلطات فضلا عن المداخلات السياسية لاطراف معنية اخرى (الاردن مثلا) اثرت على اعمال الهيئة, فانها تمكنت من تحقيق كثير من اهدافها على الصعيد المؤسساتي مثل حماية المسجد الاقصى والاوقاف الاسلامية والقضاء الشرعي والمدارس الدينية وصيانة الاثار والمعالم الدينية والحضارية العربية في المدينة. المثل الثالث يستفاد من دور المسجد الاقصى نفسه, اذ ان هذا المعلم الديني الاقوى في رحاب القدس, يكاد يكون (كبير المؤسسات الدينية) العربية وغير الدينية في القدس, وهو دوما اكتسب الهيبة السياسية بخلاف دوره الطبيعي في تحقيق ائتلاف فلسطيني وعربي وإسلامي عام حول قضية القدس. وبالنسبة للجانب الصهيوني, يتأكد يوما بعد يوم ما للمسجد الاقصى من دور في الحشد والتعبئة ضد تهويد القدس, هناك مبررات حقيقية لهذا الفهم, منها الحشود بمئات الآلاف التي تجتمع في المناسبات للصلاة فيه, واختراق الحصارات المتواترة للمدينة, والمعرفة المؤكدة بحنين ملايين القلوب إلى المسجد ومن ثم للمدينة التي تضمه, وبشكل مباشر يتصاعد في الاونة الاخيرة الاحساس الاسرائيلي بأن مؤسسة المسجد الاقصى تستقطب ولاء الفلسطينيين تحت الاحتلال منذ ,1948 فيما يعرف بعرب 1948. فهذه الشريحة التي تحاول اسرائيل عزلها عن بنيتها الحضارية ومواطنتها التاريخية, تسارع الى الذهاب للقدس, كلما اشتمت اخطارا على الاقصى وهي تعمل على حراسته عبر التجمع بعشرات الالاف والصلاة في ردهاته, مستخدمة في ذلك المواطنة الاسرائيلية ذاتها, التي تسمح لها بالتحرك بحرية اكبر مقارنة ببقية شعبها المحتل منذ عام 1967. وقد رصدت المصادر الاسرائيلية انه اتجه للصلاة في الاقصى 170 الفا في الجمعة الاولى من رمضان الماضي, و250 الفا في الجمعة الثانية و300 الف في الجمعة الاخيرة, كان 20 في المئة منهم على الاقل من (عرب 1948) . من هذه الامثلة المقتضبة وبسببها, تعتبر اسرائيل ان تهويد القدس لا يمكن ان يكتمل الا بعد تسكين المؤسسات الدينية الاسلامية والمسيحية بعيدا عن دائرة السياسة, وهي تفتعل التشاحن بين الاطراف العربية المعنية مباشرة بمستقبل المدينة, من زاوية الاشراف على هذه المؤسسات (الاردن, منظمة التحرير, المؤتمر الاسلامي) وبسبب قدرتها الفذة على شد المدينة المقدسة الى دائرتها الحضارية العربية الاسلامية, لا ينبغي التفريط في الدور الذي تضطلع به هذه المؤسسات ولعل الحفاظ على تسييس هذا الدور, يمثل موقفا استثنائيا, لما له من عوائد معتبرة على مسار قضية القدس حاضرا ومستقبلا. كاتب وباحث فلسطيني مقيم في القاهرة*

تعليقات

تعليقات