اتفاق واشنطن: دلالات ومصاعب:بقلم-د. شفيق ناظم الغبرا

دارت عملية المفاوضات بين ضغوط البيت الابيض وبين مناورات كل الاطراف لتصل في نهاية المشهد الى تحقيق اتفاق على تطبيق اتفاق سوف يترك امكان تطبيقه اثاره على الساحة السياسية الاسرائيلية والفلسطينية وايضاً العربية . ان اهم ما في الاتفاق الجديد هو جر الليكود واليمين الاسرائيلي للقبول لأول مرة بمبدأ الأرض مقابل السلام في العلاقة مع الفلسطينيين, اذ يؤكد الاتفاق ان اليمين الاسرائيلي يخضع لقوانين السياسة ولقوانين الضرورة. ان دخول اليمين في مسار الصفقة مع الفلسطينيين يعني بداية اقرار اليمين بالمسار التاريخي نحو الانسحاب من مزيد من الارض ونحو آفاق اخراج مستعمرات ونحو تجميد استيطان, لعب اليمين الدور الاكبر في انتشاره. وهو يعني ايضاً ان اليمين قد تحول نحو الوسط في بعض المواقع تاركا وراءه كتلة من المستوطنين غير الواثقين من المستقبل وكتلة اخرى من المتدينين الذين يرفضون الانسحاب لاسباب دينية, ولكن هذا التحول قد يفتح المجال للتصادم اليميني اليميني, وقد يفتح المجال لانتخابات مبكرة وقد يؤدي الى تشكيل حكومة وسط من الليكود والعمل. ان الاتفاق لا يعني ان اليمين قد بدّل مواقعه, ولكنه يعني انه قبل بمبادىء كان يرفضها للامس القريب كما انه عزز افاق اعادة انتخاب نتانياهو نتيجة التأييد الشعبي لفكرة متابعة السلام مع الفلسطينيين. وفي هذا الاتفاق حققت السلطة الفلسطينية عدة مكاسب, فهي من جهة ستوسع مناطقها في الضفة الغربية بشكل مباشر من 3% الى ما يقارب 18%. من جهة اخرى سوف يقع بعد تحقيق الاتفاق 40% من اراضي الضفة الغربية اضافة الى 70% من اراضي غزة تحت السلطة الفلسطينية, وذلك قبل مفاوضات المرحلة النهائية, ان هذا يعني اعطاء مزيد من القوة التفاوضية والمقدرة على المناورة للجانب الفلسطيني. لنتذكر ان مقدرة الفلسطينيين على التهديد بامكان اعلان دولة والتي ادت الى مخاوف جدية في الساحة السياسية الاسرائيلية والامريكية لم تكن ممكنة لولا اتفاق اوسلو وسيطرة الفلسطينيين على جزء من الارض. بمعنى آخر ان اعلان دولة فلسطينية لم يكن ذا معنى حقيقي عام 1988 لانه تم من تونس, ولكن التهديد باعلان دولة في مايو 1999 من غزة والضفة كان ذا معنى مختلف دفع الادارة الامريكية ونتانياهو لاستباق الخطوة, وسبب الخطورة لم يكن مرتبطاً بالقوة الفلسطينية او بحسن تنظيم السلطة الفلسطينية, لكنه مرتبط بالمعضلة التي ستواجهها المنطقة والسياسة الاسرائيلية والامريكية في حالة الاعلان, اذ كان سيكون من الطبيعي ان يرد نتانياهو باقتحام بعض المناطق الفلسطينية ومن الطبيعي ان تقع مقاومة مسلحة وان ينفجر الوضع وتحاصر مناطق ومدن مما قد يثير ازمة كبيرة لا تقل في حجمها عن اثر احدى الحروب العربية الاسرائيلية, وهذا ان وقع كان سيؤدي لخسارة نتانياهو الانتخابات وخسارة الولايات المتحدة لعملية السلام. وقد حقق الفلسطينيون مكاسب اخرى في الاتفاق من أهمها تأمين طريقين آمنين بين الضفة وغزة, وهذا الامر هام لانه كانت هناك سياسة اسرائيلية من قبل الليكود تسعى لعزل غزة عن الضفة الغربية نهائياً في منطقتين منفصلتين. هذا الوصل له مغاز بعيدة الامد على آفاق تطور الكيان الفلسطيني اضافة للاتفاق على المطار والمرفأ وغيره من القضايا الاقتصادية والتنموية, وتشكل زيارة الرئيس كلينتون للاراضي الفلسطينية حيث سيلقي خطاباً في غزة امام المجلس الفلسطيني عند الغاء البنود الخاصة بما يعتبره الاسرائيليون تهديدا لاسرائيل, توقيعا امريكيا من الطراز الأول على الالتزام في عملية السلام. من جهة اخرى سيكون مطلوباً من الفلسطينيين ضبط الامن, في ظل رقابة من المخابرات المركزية الامريكية وهذه هي اول مرة تدخل فيها (السي اي ايه) في صفقة من هذا القبيل. هذه المشاركة تمت بناء على اصرار فلسطيني وسط ضيق اسرائيلي, فالجانب الاسرائيلي يفضل عدم وجود شهود دوليين, ويخشى من تحول دور السي اي ايه الى عنصر توتر في علاقته بالولايات المتحدة, اما الجانب الفلسطيني فهو يريد ان يضمن عدم اخلال اسرائيل بالوعود التي وعدت بها على كل صعيد في الاتفاق. وسوف يكون الامر الامني مجال اختلاف مع اسرائيل في المرحلة المقبلة وسوف يكون دور المخابرات الامريكية اساسياً في حل الخلافات المقبلة, فمن الطبيعي ان تصر اسرائيل على المزيد من السيطرة الامنية, مقابل محاولة السلطة الفلسطينية التأكيد بأن السيطرة الامنية تمت. ان الامر الرئيسي سوف يرتبط بمقدرة السلطة الفلسطينية على ضبط الوضع التسلحي ومنع اقتناء السلاح خارج الاجهزة الرسمية اضافة لمنع اعمال مباشرة مسلحة ضد اسرائيل من مناطقها. ولكن يرجح ان تواجه السلطة الفلسطينية مشكلات حقيقية ان سعت لضرب قواعد حركة حماس الاجتماعية والصحية والانسانية, فهناك فارق على الاغلب سوف يبرز بين اعمال الحركة الاسلامية الدينية والاجتماعية والسياسية وبين العمل المسلح والتهديد الامني. هنا سوف يقع الخلاف مع اسرائيل ان قامت السلطة بهذا التميز. في هذا المجال سيكون لزاما على السلطة الفلسطينية ان تبلور سياسة لا تجرها لحرب اهلية داخلية مع حركة حماس ومع تنظيماتها الشعبية وقواعدها كما يوجد تخوف من ان تجاوز الاجهزة الامنية كما هو الحال في الكثير من الحوادث صلاحياتها. بالمحصلة اسرائيل تطالب الفلسطينيين بما سبق وان طالبت الاردن به عام 1970 وبما طالبت به لبنان منذ عام 1969. ولكن بنفس الوقت مارست كل الدول العربية سياسة ضبط للامن الحدودي وقد نجح في هذا الاردن كما نجحت في هذا كل من مصر وسوريا في كل من سيناء والجولان, مما ادى الى منع اية اعمال تعطي اسرائيل مبررات للتوسع والتنصل من الالتزامات والاتفاقيات, في الجوهر سيكون لزاما على الفلسطينيين سحب الملف الامني من تحت اقدام الاسرائيليين ولكن سيكون لزاما عليهم ان يحاولوا عمل ذلك في ظل اقل ثمن سياسي واعلى داخلي ممكن. حتى الآن هذا هو الطريق الوحيد المتبقي امام العرب وامام الفلسطينيين وهو الطريق الوحيد الذي لم يجرب جديا منذ عقود في ظل فشل كل الطرق الاخرى في وحل التناقضات والاقتتال, في النهاية سيمر هذا الاتفاق بتعرجات واحيانا قد يتخلله بعض العنف والجمود, ولكن الاهم في المرحلة المقبلة بدء المفاوضات حول الحل النهائي وهي: القدس, المستوطنات, اللاجئين, بقية الارض, السيادة. هذا هو الجانب الاصعب, وهذه ستكون معركة كبيرة في مواجهة الفلسطينيين, وقد لا تكون كل نتائجها لصالحهم اذ ستقع فيها مساومات صعبة وشاقة ستحدد مسار المستقبل. هكذا وسط غياب البدائل تأتي المساومات لتقدم شيئاً دون ان تقدم كل شيء ولتقدم بعض المستقبل والوعد بالمستقبل دون ان تقدم كل المستقبل الذي قالت به الاحلام العربية السابقة والشعارات الدائمة.

تعليقات

تعليقات