تهديدات أمريكا واتفاق(الشجعان)! بقلم- جلال عارف

مطلوب منا ان نقيم الافراح والليالي الملاح ونرقص في الشوارع لأن المخابرات الامريكية ستحكم قطاع غزة وما تيسر من الضفة الغربية, فإذا لم نفعل فنحن من اعداء السلام .. سلام الشجعان إياه !! ومطلوب منا أن نقيم صلاة الشكر لسيدنا القابع في البيت الابيض لانه سهر الليالي ــ ليس مع مونيكا واخواتها كما كان الحال ــ وإنما مع نتانياهو واولبرايت وشارون حتى استطاع اخيرا ان ينتزع كل التنازلات الممكنة وغير الممكنة من.. عرفات! فيصبح أمن اسرائىل هو المهمة القومية التي ينبغي ان يسهر عليها الفلسطينيون اولا.. والعرب بعد ذلك. اما أمن العرب وأرض فلسطين والقدس والجولان وجنوب لبنان واللاجئين الفلسطينيين والخطر النووي الاسرائىلي.. فكلها قضايا سهلة وبسيطة سوف يتم حلها في جلسة صفاء ومحبة بعد ان تحول نتانياهو الى شريك لعرفات, وتحول جزار صبرا وشاتيلا إلى مفاوض مسؤول ووزير خارجية يأمل الفلسطينيون الرسميون ان يرضى ويتعطف ويوافق على مصافحة الرئيس عرفات.. وعندها سيكون العرب مطالبين بدفع ثمن المصافحة كماهم مطالبون اليوم بأن يدفعوا ثمن التنازلات الجديدة التي قدمها عرفات لنتانياهو, والا فإن امريكا ستغضب وستعتبر ذلك تقاعساً ينبغي تقويمه بكل الضغوط وبكل الوسائل! اتفاق واشنطن ـ في أحسن الأحوال ـ ليس إلا مذكرة لتنفيذ اتفاقات سابقة كما يؤكد المدافعون عنه ومع ذلك لا تكتفي امريكا بان يكون الثمن هو ان تتحول السلطة الفلسطينية الى جهاز مساعد للمخابرات الامريكية في توفير اقصى درجات الامن والاستقرار لاسرائىل في سابقة لم تحدث, حيث يصبح الشعب المقهور هو المسؤول عن امن المحتلين لأرضه الغاصبين لحقوقه وتوفير كل ما يلزمهم من وسائل الراحة والتقدم.. من الايدي العاملة الرخيصة حتى كازينو القمار العالمي! لا تكتفي واشنطن بكل ذلك, بل ترى في الاتفاق الاخير فرصة لإعادة الحياة لمخططاتها في المنطقة الهادفة الى رسم خريطة جديدة تكون فيها الهيمنة لاسرائىل, وتكون السيطرة الاقتصادية هي البديل لاستعمار تقليدي باهظ التكاليف, وتتحول فيه الامة العربية الى شظايا متناثرة تدور في فلك التحالف الاسرائىلي ــ التركي تحت الرعاية الامريكية. ونحن نفهم الحملة الامريكية لترويج الاتفاق الأخير ومساندته وتصويره باعتباره فتحا تاريخيا.. فالأمر يتعلق بظروف داخلية امريكية وتعاسة موقف كلينتون من ناحية, وبالبحث عن خطوة في السياسة الخارجية بعد مسلسل الفشل الذريع لسياسات الدولة الاعظم, ويتعلق ايضا بضرورة محاصرة الموقف في المنطقة قبل ان يصل للانفجار.. خاصة اذا كان انقاذ الموقف يأتي على حساب الحق الفلسطيني الذي يبدو البعض وكأنهم قد ادمنوا التنازل عنه خطوة فخطوة. لكن الوقاحة تأتي حين تريد أمريكا ان يتحول العرب كلهم الى طائفة من المتنازلين عن الحقوق الراضين بالهزيمة, المستعدين لترك اوطانهم تحت رحمة المخابرات الامريكية, والا فانهم ليسوا شركاء في عملية السلام بل متفرجين على مباراة رياضية كما تقول السيدة اولبرايت لا فض فوها ومات من الحسرة حاسدوها! المطلوب الآن ان يتخلى العرب عن اي تحفظات على اتفاق واشنطن الأخير.. والا يفعلوا مثل مصر التي تحفظت ودعت لانتظار النتائج وشككت في قيام اسرائىل بتنفيذ التزاماتها القليلة, فكان الرد هجوما من اولبرايت وتلميحات عن الغضب الامريكي, وحملة صحفية تثير ضجيجا حول مزاعم عن اضطهاد الاقباط في مصر, وتستغل اخطاء بعض رجال الشرطة في معالجة حادث فردي في احدى قرى الصعيد, لتجعل منها وقودا لحملة قديمة جديدة تحاول عبثا اثارة الفتنة الطائفية في مصر.. وسوف تستمر الحملة وتتصاعد مع اي تضارب في السياستين المصرية والامريكية! والمطلوب الآن ان يعود العرب الى مسيرة التطبيع التي توقفت لظروف خارجة عن ارادة امريكا واسرائىل والمهرولين العرب! والمطلوب ـ ضمن الاستحقاقات العربية للاتفاق كما تسميها امريكا ـ إعادة احياء المفاوضات المتعددة الاطراف والمؤتمر الاقتصادي للشرق الاوسط, وتقديم المساعدات المالية والسياسية لانجاح الاتفاق.. وإلا حق على العرب غضب أمريكا وما أدراك ما هو! إنه الابتزاز بكل ما في الكلمة من معنى.. فأمريكا أول من يعرف ان كل ما حققته لايعني شيئا حقيقيا, وان اسرائىل مازالت في النقطة نفسها منذ اوسلو, وان كل ما يحدث هو اتفاقات تتم ويقدم فيها الفلسطينيون التنازلات,ثم يجبرون على إعادة التفاوض حولها لتقديم المزيد من التنازلات.. ومع ذلك فالمطلوب من العرب جميعا ان يدفعوا الثمن غاليا في هذه البضاعة المغشوشة. ان التطبيع قد توقف بإرادة شعبية قبل ان يتوقف بقرارات رسمية, ولن يستطيع الشركاء الجدد في سلام الشجعان ان يعيدوا مسيرته, فقد ادرك الجميع الدرس, وتعلموا ان التنازلات المجانية لا يمكن ان تأتي بسلام حقيقي. وتوقف المهرولون عن سباقهم الى تل ابيب. ولن يستطيع أحد الآن ان يفرض التطبيع على العرب. والارض مازالت محتلة, والجولان وجنوب لبنان خارج دائرة التفاوض, والقدس تغتصب, والارض (المحررة) في غزة والضفة تتحول الى سجن كبير تحكمه المخابرات الامريكية جهاراً نهاراً,وباتفاق رسمي معلن على رؤوس الاشهاد! اما المؤتمر الاقتصادي فلم يكن ولن يكون الا اجهاضا لاي عمل عربي مشترك في المجال الاقتصادي, ووضع الامكانيات البشرية العربية والمال العربي في خدمة (العبقرية) اليهودية.. كما قال اصحاب المشروع وفي مقدمتهم بيريز الذي لم يخف ان الهدف هو ان يتحقق لاسرائىل بالاقتصار ما لم يتحقق بالحرب! والوقاحة الامريكية الحالية في محاولة اعلاء سياساتها على العرب, لا تنبع فقط من ابتزاز العرب واخضاع اراداتهم, وإنما تعني ان امريكا مصممة على تصورها للمنطقة ومستعدة لممارسة كل الضغوط لفرض خريطتها الجديدة للمنطقة, وانها ترى الظروف مهيأة لذلك قبل ان يفلت منها الزمام امام صحوة عربية ادركت ــ من تجاربها المريرة ـ ان المصالح العربية لا تتفق مع المصالح الامريكية وتتعارض تماما مع الرؤية الامريكية الاسرائىلية للمنطقة. ان امريكا تطالب الحكومات العربية الآن بالا تكتفي بالمشاهدة وانما تكون من المشاركين فيما يجري, ونحن بدورنا نطالب الحكومات العربية بان تتحمل المسؤولية, وان تدرك ان الانسياق وراء المخططات الامريكية للمنطقة سوف يؤدي الى كارثة شاملة. ان التأكيد الرسمي العربي على انه لا تطبيع قبل تحرير الارض العربية وتطبيق القرارات الدولية أمر لا مفر منه, وإلا فقدنا هذه الورقة الهامة في معركتنا مع اسرائىل.. ان الهرولة مرفوضة رغم الضغوط الامريكية, وحكاية اخينا شيخ العافية وزير خارجية موريتانيا الذي ما ان تم التوقيع على اتفاقية واشنطن حتى هرع الى تل ابيب ينبغي ان تظل حالة وحيدة وان تدخل في باب الكوميديا.. حتى ولو كانت تل ابيب من نوع الكوميديا السوداء, وربنا يهني شيخ العافية بشارون وإخوانه! ان اتخاذ خطوات حاسمة نحو السوق العربية المشتركة هو الرد الجاد على الدعوة للشرق اوسطية.. ولا ينبغي ان تقف الضغوط الامريكية ولا النظرة الضيقة للمصالح القطرية عائقا في هذا السبيل. ولقد كنا نريد الحديث عن القمة العربية الموعودة, لولا ان هذا ليس مجال الحديث عن (الاحلام) المؤجلة, ولولا اننا نعلم ان عقد مثل هذه القمة كان صعبا قبل ذلك, فهو الآن شبه مستحيل, الا اذا كان بالشروط الامريكية, وهو أمر ترفضه الشعوب ولا تقوى عليه الانظمة. والأهم من ذلك ان الضغوط الأمريكية ستتزايد ضد أي تحرك عربي لمواجهة الموقف أو لتحقيق المصالحات العربية, أو لتحسين العلاقات مع الجار الايراني وحل المشاكل المعلقة معه, والأسلحة كلها جاهزة.. والحدود السورية التركية يمكن ان تلتهب في أي وقت, والجنوب اللبناني سيتعرض للمزيد من العدوان, والحصار على العراق وليبيا سيستمر, ومحاولة خلق المشاكل لمصر ستتزايد والضغوط عليها ستتضاعف, ومحاولة كسر دورها في دعم الحقوق الفلسطينية ودعم الأمن العربي وتحقيق أية درجة من الوفاق العربي ستشتد. فالمطلوب الآن ان يمضي المخطط الأمريكي ــ الاسرائيلي الى نهايته, وان ينزع سلاح أية مقاومة, وان تكمم كل الأفواه, وان تتحول الأرض العربية الى غزة كبيرة يحكمها الفقر, وفساد السلطة, والاحتلال الاسرائيلي, والمخابرات المركزية! والمعركة صعبة ومريرة, وعلى القوى الوطنية في كل انحاء الوطن العربي ان تستعد لها وان تخوضها بثقة وشجاعة, فالتهديدات الأمريكية تصدر عن غطرسة لا شك فيها, ولكنها ايضا دليل خوف من الفشل, والقوة الاسرائيلية المتفوقة لن تظل كذلك للأبد, والمدن العربية لا يمكن ان تكون كلها مثل غزة تحت حكم المخابرات الأمريكية, والأمة العربية لا يمكن ان تتحول جميعها الى أمة من اللاجئىن!

تعليقات

تعليقات