مباحثات واي بلانتيشن: الحساب السياسي في المفاوضات الفلسطينية ــ الإسرائيلية:بقلم-ماجد كيالي

بعد تسعة أيام من المفاوضات المضنية والمباشرة التي جرت في (واي بلانتيشن) وبرغم الرعاية الامريكية المباشرة على أعلى المستويات, لم تتمخض المفاوضات الفلسطينية ــ الاسرائيلية عن أي شيء جديد على صعيد عملية التسوية بين الجانبين , يقول المحلل الاسرائيلي, عكيفا الدار: (اذا استثنينا مواقف لبنيامين نتانياهو في مسألة غازي الجبالي وعزام عزام, ورغم انها كانت مهينة, نجد ان اسرائيل لم تجلب الى هذه القمة أية فكرة إبداعية, هذه المحطة السياسية النادرة التي كان بإمكانها ان تنهض عملية السلام بكل مساراتها وان تعيد تعزيز أمن اسرائيل القومي ومكانتها الدولية, تحولت الى حدث جديد وتجارة بالمفرق (هآرتس) 21/10. بكل الأحوال فإن الانجاز الوحيد لهذه المفاوضات, التي جرى حولها كثير من الإثارة, هو أنها أعادت فتح مسار المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي بعد توقف دام زهاء تسعة عشر شهرا, على خلفية أعمال الاستيطان في جبل ابو غنيم في القدس, والمواقف السياسية المتعنتة التي انتهجتها حكومة نتانياهو بهدف تجاوز استحقاقات عملية التسوية مع الفلسطينيين. أما بالنسبة للنقاط التي جرى التوافق عليها من مثل: مساحة إعادة الانتشار (10+3), فتح المطار والممر الآمن, الإفراج عن معتقلين, الاتفاق الأمني, المنطقة الصناعية, فهي بمجملها ليست نقاطا خلافية من حيث الجوهر, وكان قد تم التوصل إليها في مباحثات سابقة, اما النقاط الجوهرية الاساسية, فهي اما تم ترحيلها الى لجان خاصة للاتفاق عليها فيما بعد, وهو ما حصل بالنسبة لقضية مساحة مرحلة إعادة الانتشار الثالثة, وإما جرى الالتفاف عليها في صيغ مطاطة وهو الذي حصل في موضوع الاستيطان. في مفاوضات واي بلانتيشن تم الإقرار بشرعية التصورات الاسرائىلية لعملية التسوية كما تقدمها حكومة بنيامين نتانياهو, وهكذا اصبح مبدأ: (الأرض مقابل الأمن) بديلا معترفا به محل مبدأ (الأرض مقابل السلام) , وبذلك بات أمن اسرائىل أساسا لعملية التسوية, وكأنها هي الضحية التي ينبغي الحفاظ على أمنها!, أو كأن اسرائىل مجرد دولة مغلوبة على امرها!. وتم الإقرار بمبدأ (التبادلية) كأساس لتقديم إسرائىل للاستحقاقات المطلوبة منها. والمفارقة هنا أنه مطلوب من الضحية أن تعبر عن حسن سلوكها وعن (تمتعها) بعذابات الاحتلال! بل ومطلوب منها أن تؤمن الأمن وراحة البال للمحتلين!. وفي هذه المفاوضات أكد نتانياهو إصراره على تحجيم طموحات الفلسطينيين بالنسبة لمساحة الاراضي التي يمكن أن (تمنحها) اسرائىل لهم, كما استطاع جر الإدارة الامريكية للتراجع عن مبادرتها وتبني مواقفه لإقناع الفلسطينيين بأن ليس من بديل آخر أمامهم. هذا من الزاوية الاسرائىلية, أما من الزاوية الفلسطينية, فإن الطرف الفلسطيني وبعد أن رهن نفسه في إطار مسيرة التسوية, وفي ظل ضيق هامش المناورة المسموح له, فقد فضل الدخول مرة أخرى في مغامرة التسوية, على أساس إحراج حكومة نتانياهو بتحقيق انسحاب ولو محدود في الاراضي الفلسطينية, بالنظر الى مغزى هذا الانسحاب, من النواحي السياسية والايديولوجية, وعلى اعتبار ان هذا الانسحاب هو سابقة تاريخية بالنسبة لليمين الاسرائىلي, وهو اختراق لمعسكر اليمين المتطرف ومحاولة لانتزاع إقرار منه بشرعية التنازل عن اراض فلسطينية من حيث المبدأ, وتأكيد لنهاية فكرة (اسرائىل الكبرى) . ويمكن القول ان هذا المنطق يسعى لإدخال اليمين الاسرائىلي في اطار الالتزام باتفاقات اوسلو التي طالما اعتبرتها الأوساط اليمينية خيانة لأمن اسرائىل ونكوصا عن الصهيونية!. وقد أكد هذه الحقيقة أرييل شارون بقوله: (شعرت بأن التاريخ يفعل فعله, الواقع السياسي دفعني الى ادارة مفاوضات مع الشعب الفلسطيني, إن مجرد حقيقة أنني مستعد للجلوس أمامه يعتبر تنازلا من جانبي, أريد أن أتوصل الى تسوية) . وهكذا تطلع الطرف الفلسطيني للمكاسب التي يمكن تحقيقها من وراء الاتفاق والتي يمكن ان تعزز وضع الكيان الفلسطيني من ناحية المساحة التي تخضع للسيطرة الفلسطينية التامة (وهي ستة أضعاف المساحة الحالية), ومن حيث الامكانيات والقدرة على التواصل, وعلى اساس ألا بديل أفضل أمامه طالما أن نتانياهو موجود في السلطة, وعليه فمن المناسب عدم الانتظار وأخذ ما يمكن أخذه الى حين توفر ظروف أو معادلات أفضل. بكل الاحوال فإن ما حصل في واي بلانتيشن هو تحصيل حاصل لعملية التسوية المجحفة التي يجري فرضها في المنطقة, في ظل واقع من الخلل في موازين القوى لصالح اسرائىل, وبالنظر للانحياز الامريكي الواضح والحازم الى جانب الاملاءات الاسرائىلية, وبحكم الخلل الكبير الذي يسود الوضع العربي, هذا فضلا عن ضعف الفلسطينيين وظروفهم الصعبة وعدم قدرتهم على مواجهة عملية التسوية الجارية بأبعادها الاقليمية والدولية. وعلى العموم فقد بلغت الامور حد المهزلة السوداء, فمصير عملية التسوية باتت في عرف الحكومة الاسرائىلية وكأنه معلق بما يريده وبما لايريده مجموعة صغيرة من المستوطنين المتطرفين وبقضية اطلاق الجاسوسين عزام وجوناثان بولارد (المعتقلين في كل من مصر والولايات المتحدة الامريكية), ولم تتوقف الامور عند هذا الحد فالاسرائيليون لم يفوتوا هذه المناسبة الملائمة لجلب مزيد من الأموال من الولايات المتحدة, بحجة تمويل مصاريف إعادة الانتشار المفترضة, من أجل الانفاق على توسيع المستوطنات وشق الطرق في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبحسب وزير المالية الاسرائىلي يعقوب نئمان, فإن اسرائيل ترفض تغطية التكاليف التي ستنجم عن انسحابها من الضفة الغربية, لأنه (سبق للاسرائىليين ان دفعوا ثمن بناء هذه القواعد والطرق الحالية, ولا يوجد سبب لكي يدفعوا الثمن مرة أخرى) !. هذه هي عملية التسوية المجحفة التي يجري تسويقها وفرضها بالترغيب والترهيب في المنطقة, ولكن مشاعر الإحباط والقهر السائدة في الشارع العربي, وبخاصة في الشارع الفلسطيني, والناجمة عن الاحساس بالضعف والتغييب, لا يمكن إلا أن تتحول عاجلا أم آجلا إلى مشاعر من الغضب لا يعرف أحد مداه أو حدوده.

تعليقات

تعليقات