نهاية الظلم:بقلم-د. مصطفى محمود

المشهد في أوروبا الآن لما يحدث في كوسوفو هو للأسف تكرار ممل لما حدث في البوسنة والهرسك ولما حدث في الشيشان ولما حدث في بورما ولما حدث في الفلبين وهو تكرار بطيء لما حدث في أسبانيا بعد سقوط الدولة الاسلامية ومسلسل المذابح للفلول الهاربة الناجين بأنفسهم من الصلب والحرق . وحلف الاطلسي لا يملك الا ان يغطي حمرة الخجل التي كست وجهه بتهديدات شفوية للسفاح ميلوسيفيتش يعقبها بالمهلة تلو المهلة حتى يشبع من التمثيل بضحيته ويسلم آخر طفل الى غول البرد والجوع عند حافة الجبل. والاطفال اللقطاء يباعون في أوروبا لعصابات دعارة الاطفال وللتنصير ولأهداف اخرى. وتكريس الظلم هو الحقيقة الوحيدة العارية التي تصفع الوجه الانساني لهذا العصر الذي يتحدث عن تطهير البيئة وانقاذ الحيوانات من الانقراض وثقب الاوزون وينسى ان النوع الانساني نفسه أصبح مهددا بالانقراض... وان الرحمة أصبحت حفرية بائدة... وان الدين عند ادعياء التدين هو تصنيع قنبلة لنسف الطرف الآخر... او القتل غيابيا كما يحدث في الجزائر. واسأل متعجبا! لماذا تعجبون يا اخواني اذا نبح الكلب او عض الذئب او نهشت الضباع الرمم... الم يخلق الله لذاك نابا وأنبت لذاك ضرسا وصنع لذاك طاحونة تطحن الرمم.. الم يجعل في هذا الغذاء طعاما وقوتا وصحة لهذه الوحوش؟! اني لأجد المعنى في الغابة... ولا أجده في المدينة التي نسكنها. اني أجد السلام والأمن في الغابة فلن ينفجر لغم تحت قدمي ولن تسقط على رأسي قنبلة عنقودية. وعجبت للرئيس ياسر عرفات يمد يده ليصافح شارون فلا يحرك هذا ساكنا ولا يلتفت اليه... كيف وجد ياسر عرفات في نفسه الرغبة ليصافحه... وكيف تتحرك الايدي للسلام بدون سلام... ولم أشهد بطول المفاوضات مع اليهود سلاما.. وما شهدت الا كبرا وعنادا وصلفا واستكبارا وتصلبا ونفورا. السلام لين وانقياد وسلاسة... ورغم الاتفاقات التي وقعت... فاني لم أر للسلام ظلا ولم اشهد له ريحا في واي بلانتيشن. انما هي تمثيلية سوف يعقبها اشتباك في أول منعطف طريق. نحن في حاجة الى اطلالة بطل... الى روح البطولة الجامعة. نحن في حاجة الى صلاح الدين. انهم يطاردون الاكراد في كل مكان خوفا من ان يبعث فيهم صلاح الدين من جديد. ان مع جزة صلاح الدين كانت في روحه الجامعة التي جمعت الاشلاء العربية على ارادة واحدة... انهم استأنسوا الطالباني والبرزاني وبقي اوجلان... ولن يغمض لهم جفن وهو حي يرزق... ولا اظن الا انهم قاتلوه. ولكن الله هو الذي يخلق الابطال وهو الذي يحفظهم حتى يؤدوا رسالاتهم ولا يملك اوجلان ان يجعل من نفسه بطلا. انما البطل رهن الغيب لا يعلم به الا عالم الغيب. ولن تظل امريكا مظلة ابدية تحتمي بها اسرائيل. واي ريح او زلزال او اعصار يمكن ان يجعل من امريكا اثرا بعد عين. وقد ذكر الله في قرآنه (عادا الاولى) التي بغت وطغت واستأسدت... وكانت تقول... من اشد منا قوة.. وكانت عاصمتها لؤلؤة العواصم... وسماها القرآن (إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد) ويبدو من اسمها انها كانت ذات أبهاء وأعمدة لا مثيل لها ولا نظير... فلما قضى الله بزوالها زالت وامحت ولم تترك اثرا يدل عليها. تلك كانت عادا الاولى. وامريكا هي الثانية.. وهذا مصير الجبارين والعظام المتألهين بعظمتهم على الناس ولن تجد لسنة الله تأويلا ولن تجد لسنة الله تبديلا. وللذين يتساءلون.. كيف .. وهل ممكن.. وهل يعقل.. وهل.. وهل؟! نقول لهم... وأين روسيا صاحبة أول سفينة فضاء.. وصاحبة اكبر ترسانة للقنابل النووية. روسيا التي قسمت العالم الى يمين ويسار وتقدمي ورجعى وألقت به في حروب لا نهاية طولا وعرضا من انجولا الى موزمبيق ومن البرازيل الى المكسيك وهزت الكرسي البابوي وانشأت علما مستقلا اسمه علم الالحاد واحتكرت لنفسها المستقبل لأكثر من نصف قرن. اين روسيا الآن من روسيا الامس وهي تتسول اللقمة وتعطي موظفيها مرتبا شهريا من الكرنب بدلا من الروبلات التي سقطت قيمتها الى الحضيض. ولا يبدو في الافق مخرج غير التسول وطلب المعونات. أي خيال مجنون كان يمكن ان يشطح بصاحبه الى مثل تلك النهاية في دولة عظمى كان ذكرها يبعث الرعدة في الاوصال. لكن الغفلة الشيطانية التي نعيشها في ضجيج الاعلام وفي ضوضاء التلفزيون وبرامجه البلهاء ينسينا رفقة الحكمة والتأمل والاعتبار. وتمضي الاحداث تنسى بعضها بعضا.. والقتلة... هل تذكرون عصابات القتلة من الهوتو والتوتسي في رواندا ومليون جثة قتيل يجرفها النهر حتى تسد مجراه. هل تذكرون من كان وراء تلك المذابح ومن كان يزود عصابات التوتسي والهوتو بالسلاح... وثروات الكونجو من الماس و المعادن الثمينة وحرب الاطماع الخلفية التي تتنافس فيها فرنسا وبلجيكا وامريكا و اسرائيل... وموبوتو سيسيكو رجل فرنسا وعميلها ومن بعده كابيلا رجل امريكا... واين الشعوب.. لا توجد شعوب.. انما يوجد لصوص وعصابات وCIA وموساد ونشل منظم لثروات عالم بدائي لا يعرف له مكانا في التاريخ... وظلم بل ظلمات بعضها فوق بعض... وقتل.. ودم.. وابادة. هل يفكر هؤلاء في ساعة المحاسبة؟ لا احد يفكر... ولكن لا يوجد شيء اكثر يقينا من هذه الساعة. والذي خلق هذا العالم الباهر في دقته واعجازه... لن يفلت من يده ظالم والذي خلق الانسان والكمبيوتر... وما خفي من علوم المستقبل... لا شك يعلم كيف يكون الحساب دقيقا ولأصغر كسر عشري. وفي حساب المواقيت عند ربنا هناك ما هو أصغر من واحد على مليار من الثانية... وفي سرعات الليزر ماهو أدق من ذلك بكثير. وحينما يقول ربنا ان عنده الموازين القسط فان اهل العلم والايمان يدركون من ذلك ما يشيب له الوليد. حقا... ان قلبا لا يسكنه الخوف من الله... ليس قلبا... بل مقبرة.

تعليقات

تعليقات