لكل مجتمع بشري مفكروه في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والخلقية.. ويمكن ان ينقل هذا الفكر كتابة او شفوياً. فكر هؤلاء المفكرين مستمد من مجموعة العوامل التاريخية والثقافية والقيمية ومن مفاهيمهم رؤاهم في تلك المجالات المختلفة . وللمفكر الناقد صفاته, ومن صفاته الرئيسية دينامية النقد الفكري, اي ان النقد عملية فكرية متواصلة, ويمكن تشجيع الفكر النقدي بطرق منها تشجيع الابداع الفكري العلمي والادبي والانطلاق الفكري والحرية الفكرية والتخلص من الخوف من الاعراب عن الفكرة والعاطفة. ويخضع الفكر النقدي لمختلف اشكال القيود. وما هو خمير حافز للابداع في مكان قد لا يكون كذلك في مكان آخر, وثمة اسباب تاريخية واجتماعية ونفسية لعدم اعمال الفكر النقدي او للاهتمام الاقل بهذا الفكر. وأحد هذه الاسباب هو ان ذلك الفكر يتطلب بذل جهد عقلي أكبر لفهمه وهذا المتطلب يسهم في جعل الناس اقل حماسا لاعمال الفكر النقدي وللقيام بقراءته. وتنتشر وسائط الاتصال المسموعة والمرئية في شتى بقاع العالم. توجد الملايين من اجهزة الراديو والتلفزيون والكمبيوتر في المنازل والمقاهي في المدن والقرى في الوطن العربي. ويمكن لهذه الاجهزة ان تؤدي دورا في نقل واشاعة الفكر النقدي.وعلى الرغم من ان هذه الوسائط تؤدي فعلاً دوراً معينا في ذلك النقل والاشاعة فان ثمة عوامل تقيد تقييدا شديدا اداء تلك الوسائط لذلك الدور. ومن هذه العوامل ان القائمين على ادارة البرامج الاذاعية والتلفزيونية لا يولون الاهمية الكافية للبرامج العلمية والفكرية النقدية.وقد يعزى عدم ايلاء هذا الاهتمام الى التوجيه الحكومي او عدم تقدير مديري البرامج لأهمية مناقشة قضايا الفكر النقدي او عجزهم عن الخوض في هذه القضايا او استجابة لتصورهم لرغبة الجمهور او لمزيج من هذه العوامل. ومن طبيعة المناخ السياسي السائد في اية بقعة من بقاع المعمورة, وعلى وجه الخصوص في البلدان غير الديمقراطية في العالم الثالث, انه ليس مواتيا لبلوغ الابداع الادبي والفني والفكري. ومرد عدم المواتاة هو ان اعتبارات السياسة ــ التي هي علم او فن تحقيق التأثير ـ لا تراعي متطلبات تحقيق الابداع من المعروف ان تحقيق التأثير ينطوي على التقييد الفكري والعاطفي, بينما يتطلب الابداع الانطلاق الفكري والعاطفي, ويتطلب الابداع الفكر النقدي الذي, في العادة, تثني عنه الاعتبارات السياسية, النظم السياسية غير الديمقراطية لا تحتمل ممارسة حرية التعبير عن الرأي الذي لا يتفق مع مصالح تلك النظم في مواصلة تولي السلطة السياسية الرسمية. ولا تتردد هذه النظم في لجم لسان المفكر الحر الناقد وفي تحطيم قلمه وفي سجنه وحتى الفتك به. وبسبب هذه المشكلة لا ينقل الفكر ناهيكم عن الفكر النقدي الذي قد يجول في خواطر الناس الى الساحة العامة اذا كان ذلك الفكر معارضا او غير مؤيد لسياسة السلطة الحكومية, وينكمش الميل لدى المفكر الناقد الى الابداع الفكري, او قد يرى هذا المفكر اتقاء لغائلة السلطة المتربعة على سدة الحكم, تقييد انطلاقه الفكري النقدي او قد يرى ان ينتقي, في تناوله الفكري النقدي, بعض المواضيع التي لا يرى هو ان من المحتمل ان تناوله هذا من شأنه ان يوجد صراعا بينه وبين تلك السلطة, او قد يرى تخفيف حدة لهجة الانتقاد في المواضيع والمواضع التي تجدر ممارسة الفكر النقدي فيها. ويتمتع رجل السياسة القوي بقدر اكبر من حرية التعبير. فاذا كان رجل السياسة هذا مثقفاً ومفكرا وأراد اعمال التفكير في مسائل مختلفة فيحتمل احتمالاً كبيراً ان يكون هذا التفكير متأثراً تأثراً أكبر بحكم تحزبه السياسي بالاعتبارات السياسية التي لا تتفق بالضرورة مع مقتضيات التفكير النقدي الحر. وتوجد ظاهرة عالمية تتمثل في وجود ابتعاد واحيانا نفور بين المثقفين وغير المثقفين. ومن اسباب هذه الظاهرة الصعوبة التي يواجهها بعض الناس في فهم فكر اصحاب الفكر النقدي وطريقة معالجتهم للمسائل, ولا يشغل الفكر الجاد المتعمق الناقد عموما مكانه الذي يستحقه على الخريطة السياسية في كل ارجاء المعمورة, غير انه يبدو ان هذا الفكر يشغل مكانا اصغر على الخريطة الثقافية العربية. ويعود ذلك الى اسباب مختلفة منها ان الثقافة في اماكن في الوطن العربي تعني في المقام الاول الأدب من النثر والشعر ولو حاولت وسائط الاتصال الجماهيري المرئية والمسموعة اهتماما أكبر بالكتابات الفكرية المحضة والنظرية والكتابات الفلسفية لازداد الاهتمام بها ولكبر حجم تلك الكتابات. وثمة في الوطن العربي ما يمكن ان يسمى تخوفا من التفكير الحر وتشككا فيه, مما يضعف الميل لدى المفكرين الناقدين الى التفكير بحرية, وفي اماكن وظروف مختلفة يقوم عداء ايضاً لهذا التفكير, وهذا العداء يضعف او يقتل التفكير الحر او يحبسه داخل صاحبه فيذوي ذلك الفكر تدريجيا ويتلاشى, وفي اماكن في الوطن العربي في احيان غير قليلة يتعرض المفكرون الناقدون مستقلو الفكر الذين لديهم الجرأة على الاعراب الحر عن الفكر للمضايقة والملاحقة والأذى من الحرمان او التجويع ولا يحظى التفكير بالتشجيع المادي والعنوي الكافي, ولا يشجع العلماء والأدباء والشعراء والمفكرون والفنانون من رسامين ومغنين وموسيقيين التشجيع الكافي. وقد ينشأ عالم أو أديب او مفكر عظيم تكون له كتاباته الدالة على النبوغ والعبقرية والابداع ويعيش ثم ينتقل الى العالم الآخر دون ان يحظى بالاحترام الكافي او التكريم الواجب او الاقرار من جانب السلطات الحكومية وغير الحكومية وافراد الشعب بقيمة علمه وفكره وعبقريته ولكثرة المؤسسات الاجتماعية والعلمية والثقافية المستقلة الكائنة في الغرب يبدو ان هذه الظاهرة ــ ظاهرة اغفال الشخص المبدع ــ اقل شيوعاً في الغرب مما هي في اماكن اخرى تقل فيها هذه المؤسسات ويخضع ما هو كائن منها للسلطة الحكومية القوية المتحكمة, وليس من شأن هذا الاغفال ان يكون مشجعاً اعمال الملكة الفكرية النقدية. وبالتالي من اللازم ان يزاد عدد المؤسسات الحكومية وغير الحكومية, ومنها وسائط الاتصال الجماهيري, التي يكون من مهامها تشجيع الابداع والمبدعين في مجالات الادب والعلم والفكر في الوطن العربي, ومن الطبيعي ان يشمل هذا التشجيع عنايتها بالكتابة والاعلان عن النتاجات الفنية والادبية والعلمية والفكرية النقدية التي يقدمها المبدعون في شتى مراحل عطائهم الابداعي. اذ عن طريق الكتابة عن المبدع والمبدعة وعن نتاجاته ونتاجاتها وعن طريق اشاعة اسمه واسمها وعن طريق تشجيعه وتشجيعها المادي والمعنوي ينشأ لديه ولديها شعور أقوى بالاعتزاز والثقة بالنفس وبأنه يوجد تجاوب بين عالم افكاره والمجتمع الذي حوله وبأن المجتمع يكافئه ادبياً ومادياً على مجهوده الفكري النقدي ويقدر عطاءه. وفي احيان غير قليلة يضعف اتجاه الاسلوب اللفظي المجهود العلمي في الكتابات باللغة العربية. وقد يوجد بعض التسويغ لهذا الاسلوب في الكتابات الادبية ولكن لا تسويغ لاستعماله في الكتابات العلمية التي نجد هذا الاسلوب مستعملاً في بعضها. لقد أهمل في مجتمعنا العربي قدر لا يستهان به من النتاجات العلمية والادبية والفنية والفكرية النقدية المبدعة او نسي او علاه الغبار, مما اسهم اسهاما ذا شأن في خيبة الأمل لدى بعض المبدعين او لدى اشخاص كان يمكن ان يكونوا مبدعين وفي تباطؤ اندفاعهم الابداعي. وثمة سبب آخر لعدم اعمال العقل النقدي وهو ان العمل الحكومي وغير الحكومي بدوامته المتواصلة يشغل اصحاب العقول الذكية النابهة. منذ آلاف السنين استعملت اجهزة الدولة أصحاب الفكر استخداما متفاوت الكثافة. ولا يزال موظفون ذوو عقول قوية منغمسين في اعمال لا تقتضي اعمال الملكة العقلية المتوفرة لديهم او لا تشجع على استعمال تلك الملكة او تثني عن استعمالها, ان الجو السائد في العمل الحكومي على وجه الخصوص لا يشجع على ممارسة التفكير النقدي وهو يشجع احياناً على التراخي الفكري والكسل الفكري. هذا العمل اذن يمكنه ان يكلف الشعب غالياً لان ذلك العمل يثني عن استعمال ملكة الفكر النقدي الذي يحقق اكتشاف الحقائق الاجتماعية بالمعنى الاوسع والحقائق الطبيعية, وبالتالي يعود بالنفع على الشعب. ومرد القول ان العمل الحكومي لا يشجع على التفكير النقدي وانه يشجع احيانا على التراخي الفكري هو انه لا يطلب من العامل الحكومي سوى تنفيذ سياسة وضعها كبار المسؤولين الحكوميين, ووجوب تحقيق او تلبية طلب تنفيذ سياسة من السياسات لا يتفق مع الابداع. وتنفيذ السياسة معناه ان السياسة قد وضعت وبالتالي لا حاجة الى الابداع الفكري لوضع السياسة, وقبول وظيفة تنفيذ السياسة معناه تسخير مقتضيات الابداع الفكري لمقتضيات اداء الدور السلبي, دور الملبي لمستلزمات قبول وتنفيذ السياسة التي وضعها الغير. وبانفاق المفكرين المنخرطين في العمل الحكومي لمدة طويلة من حياتهم يفوتون على انفسهم فرصة واحدة, فرصة العمر, فرصة ممارسة الانطلاق الفكري الابداعي النقدي. وعلى هذا التفويت المقيت تصيب الندامة قسما منهم. ونتيجة لعملية نفسية يكون هذا التفويت احد عواملها الرئيسية قد يناوىء قسما منهم نشوء مواهب ابداعية جديدة. ويأمل ويطمع قسم من الناس, ومنهم مفكرون, لم ينخرطوا في العمل الحكومي بالاضطلاع بوظائف حكومية, هذا الامل والطمع يجعلانهم يضعون حوافز الفكر النقدي الابداعي في مرتبة دنيا حيال متطلبات العمل الحكومي, يجعلانهم يكيفون تفكيرهم ومواقفهم وسلوكهم, وهو التكييف الذي ينحو نحو زيادة احتمال شغلهم للمنصب الحكومي, وتكون هذه الزيادة على حساب الفكر النقدي احيانا لان اعتبارات شغل المنصب الحكومي تتعارض احيانا مع الفكر المحلق الابداعي. واتجه معظم النشاط الفكري العربي الى الجامعة. وفي الحياة الجامعية لا يوجد ما يكفي من المحفزات على اعمال الفكر النقدي, في سلك التعليم الجامعي يخضع مفكرون الى حد لا يستهان به تفكيرهم لما يتفق مع سياسات وممارسات السلطة الحكومية للمحافظة على وظيفتهم ولترقيتهم في المحيط الجامعي لا يشغل البحث والدراسة النقدية شطرا كبيرا من وقت الاستاذ ولا يكافأ الاستاذ ما يستحقه من المكافأة على ابحاثه وفكره الاستكشافي, واحيانا يعاقب الاستاذ على نتائج بحوثه, ولا يجري ما يكفي من التنافس بين الاساتذة على الترقية وتحقيق المنزلة العليا عن طريق اجراء البحث, وقد يتعرض باحث للهزء من زملائه اذا شاهدوا منه قدرا اكبر من المألوف من التفاني للبحث. ورغم ان المفكر الناقد يمكنه ان يؤدي دورا ايجابياً هاما في حياة الشعب وتطور المجتمع فلا يوجد حتى اليوم دور محدد المعالم معترف به للمفكر وللفكر في المجتمع العربي.