ما أكثر حكايات الشوق التي سمعتها وعشتها في حياتي.. ما أكثر هذه الحكايات التي أكلت حياتي.. ولكن.. الكتابة عن الناس هي أطول وأعمق حكاية شوق عاشرتها.. وأعيشها . تمنيت دائما أن أكون سطرا في صحيفة.. أو حرفا في مطبعة.. أو قطرة ندى في ضمير هذا الوطن. والكتابة ليست كأسا ذهبية في يد أمير أو وزير أو مليونير.. وانما قطعة خبز في فم كل جائع للقمة عيش.. أو لقمة حرية. الكتابة هي أحدث خلخلة في نظام الاشياء وترتيبها.. هي كسر قشرة الكون وتفتيتها.. هي حوار جاد.. حاد.. مرتفع الصوت مع عناد الواقع واصراره على ان يبقى الحال على ما هو عليه.. وهذا النوع من الحوار دليل على صحة المجتمع وسلامته النفسية والعقلية.. فالمجانين وحدهم هم الذين يتغذون بحوارهم الداخلي.. ويمضغون خبز أوهامهم. وحتى لا نمضغ أوهامنا.. وحتى لا نكلم أنفسنا أو نأكلها يجب الا يمر ما يمر بحياتنا دون أن نستوقفه.. ونتأمله.. ونفحصه.. وكأنه يمر بمجتمع غير مجتمعنا.. أو لبشر غيرنا. بعد نواب الكيف.. ونواب القروض.. ظهر في حياتنا البرلمانية ما يمكن أن نسميه بنواب (النقوط) .. فقد فتح عضو في مجلس الشورى ــ أو مجلس الحكماء ــ حافظة نقوده (الثقيلة) وراح ينشر ما فيها فوق رأس راقصة في ملهى ليلي بالغردقة.. ولم يتردد في رشق بعض الأوراق المالية فيما ستر من ثياب الراقصة معبرا عن نشوته التي وصلت ـ على مايبدو ـ للذروة.. متجاوزا مهمته البرلمانية.. الميدانية التي اصبحت ثقيلة الظل وهو ينفذها وصداع السهر يحتل رأسه. لقد كف الاثرياء الجدد الذين ظهروا مع انفتاح او انتفاخ السبعينات ــ عن التفاخر بالنقوط.. فلم يعد وضع عقد النقود حول عنق راقصة نوعا من الأحساس بالذات.. ولم تعد المزايدة في النقوط نوعا من الانتصار على المنافسين.. لكن بين النواب الجدد تحت قبة البرلمان من أبى ان يندثر النقوط في حياتنا.. وواصل المسيرة. وجاء نائب آخر في مجلس الشعب ليقول بمباهاة لا يمكن أن نحسده عليها... انه (صايع) .. في محاولة منه ــ كما سمعنا وقرأنا ـ للتهرب من دفع فاتورة فندق أقام فيه.. وكلمة (صايع) كلمة شهيرة في قاموس البلطجة وعلم الليل الخفي.. وهي تعني الشخص الذي لا كيان ولا قيمة له.. والذي يستخدم عضلاته.. ولا يهمه أن ينام في (التخشيبة) أو يقضي الشتاء في (ابي زعبل) و.. وهي كلمة غريبة ان تصدر من شخص مهمته التشريع والقانون ويحتل مقعدا في البرلمان نيابة عن الأمة.. وقد استخدمها بجرأة خشية ان يتصور الآخرون انه محترم.. لا سمح الله. وهناك نائب في مجلس الشعب أيضا كان في (بار) أحد الفنادق الشهيرة عندما اعجبته فتاة تجلس بمفردها فطلب من (الجرسون) ان يوصل اليها ارقام تليفوناته وان يسدد الحساب نيابة عنها.. لكن الفتاة رفضت...و عبرت عن رفضها بطريقة موجعة.. وغادرت المكان. وفي أحد اقسام الشرطة في (سوهاج) وجد نائب في مجلس الشعب انه عاجز عن الحوار باللسان.. فأمسك مسدسه وراح يطلق النار.. في محاولة منه لاثبات ان القوة فوق الحق.. وعضوية البرلمان فوق القانون. وقد وقعت هذه الحوادث في وقت واحد تقريبا.. مما يعني ان الامور تجاوزت حدود الوقائع الفردية الى ما يثير القلق.. والذي يريد ان يستمتع بمزيد من هذه المغامرات عليه ان يقرأ التقارير الاخيرة للجنة العضوية في مجلس البرلمان. انني اعرف اننا لا نحب استعمال المرايا في حياتنا العامة... لكن لا مفر من القول ان الصورة مشوهة.. وان عضوية البرلمان وحصانته ليست (قرنفلة) حمراء نضعها في عروة سترتنا لنتفاخر بها.. ولكن صليب من المتاعب نحمله على أكتافنا.. هي ليست جواز مرور للسهر والنقوط وانتهاك الحرمات الشخصية وتجاوز القانون وتحقيق مكاسب شخصية.. وانما ضريبة وجزية ومشي مستمر على سطح من الكبريت الساخن. واتصور اننا لم نشهد مثل هذه الحالات في تاريخنا النيابي العريق.. وأتصور أن لا لجنة صلاحية في اي مجلس تشريعي على وجه الارض تعمل كما تعمل لجنة الصلاحية في مجلس الشعب.. ان بعض الاعضاء سقطت عنهم الحصانة لاتهامهم في جرائم متنوعة.. ولكن هذا لايمنع اننا لم نتوقف عند هذه الظاهرة الخطيرة لنتأملها ونفحصها ونفتش عن اسبابها.. لنصل الى جذورها.. فنحن نتحدث عن البرلمان.. أعلى سلطة تشريعية.. حيث تجري محاسبة السلطة التنفيذية.. وحيث يولد القانون.. ولا نتحدث عن دوري كرة القدم. ونحن لا نطالب أحدا ان يكون زاهدا.. ناسكا.. متصوفا.. فالله يهدي من يشاء.. لكن من لايقدر على ضبط نفسه أو السيطرة على سلوكه أؤ التحكم في مكاسبهعليه ان يبتعد عن حرمة البرلمان.. فأرض الله واسعة.. ثم اننا ندفع الثمن غاليا. فعندما يقوم نائب في البرلمان بالضرب على الدف.. فان غيره من الناس لا بد أن يندمج في الرقص.. وعندما يفخر النائب بانه (صايع) .. فلماذا لا يحترف الآخرون البلطجة؟ لقد قرأت في الصحف عن ضابط شرطة استخدم سلاحه (الميري) في اطلاق اعيرة نارية امام بار في وسط المدينة لارهاب صاحب (المحل) الذي اختلف معه على (دفع ثمن الخمر) . وقرأت عن معركة (المشارط) في غرفة عمليات المستشفى الجامعي في طنطا بين اطباء, اساتذة, يحملون درجة الدكتوراة في الجراحة, يربون الاجيال الجديدة في مهنة الرحمة, وتخفيف الآلام... بينما جسد المريض مفتوح, فاقد الوعي بالبنج, بين الحياة والموت. ان كثيرا من القيم الأخلاقية والمهنية والاجتماعية كانت كالمساجد واضرحة الاولياء.. مقدسة .. لا يسمح لأحد بتدنيس حرماتها والاعتداء على عتباتها.. فهل دخلت هذه القيم الى سن اليأس وتحولت الى عانس فقدت املها في الزواج والاخصاب؟.. هل يمكن استرداد هذه القيم المحجوز عليها؟ .. هل تخرج من غرفة التخدير وتستعيد وعيها؟ لقد انقلبت معركة (المشارط) في طنطا الى معركة (بالكراسي) في ناد رياضي معروف هو نادي الترسانة.. وانقلبت الى معركة بالزجاجات المكسورة و(ماء النار) في حزب الاحرار بين المتنافسين على زعامة الحزب.. وانقلبت الى معركة بالمنشورات والبلاغات للنيابة بين الامام الأكبر وجبهة علماء الازهر.. انها تصرفات مفزعة.. لا يمكن تخيل حدوثها.. تجعلنا نصرخ خوفا على مصير هذا الوطن.. والانسان لا يصرخ الا اذا كانت مساحة الجرح أكبر من مساحة الطعنة.. وكمية الدموع أكبر من مساحة عينيه. والمثير للذهول.. وربما الجنون ان ابطال هذه الحوادث ليسوا فقراء.. او جهلة.. او تسربوا من التعليم.. وانطلقوا الى الشوارع والعشوائىات والمقابر في رهان بالدم مع الحياة من أجل رغيف خبز أو سيجارة (بانجو) أو كوبري ينام تحته حتى الصباح.. على العكس تماما فأبطال هذه الحوادث هم (كريمة) المجتمع.. يتربعون فوق أعلى المناصب... يكسبون الكثير من المال.. يحملون أرفع الشهادات.. يتمتعون بقوة النفوذ.. لا يكفون عن السفر الى الخارج.. وفي بيوتهم (الدش) و(الانترنت) ومكتبات من الحائط الى الحائط.. فما الذي جرى لهم؟.. ما الذي جعلهم يمارسون البلطجة ويفخرون بالصياعة.. ويمشون وفي جيوبهم سنج وجنازير وماء نار؟ ان هذه السلوكيات والتصرفات كانت حكرا على الفقراء والبسطاء والعاطلين وسكان الاحياء الخلفية.. حيث العنف هو قانون البقاء.. وحيث الرزق ضيق لا يحصل عليه الانسان الا بطلوع الروح.. وحيث اللغة معجونة بالتراب والقمامة... فكيف اصبح هؤلاء الذين يعيشون على الهامش المثل الاعلى والقدوة والنموذج الذي تحتذي به (كريمة) المجتمع؟... لماذا انقلبت الآية واصبح الذين يملكون كل شيء ويسيطرون على كل شيء يستكثرون البلطجة والسوقية على المهمشين الذين لايملكون اي شيء ويطلبون العون والمدد من أولياء الله. ان التحولات الاقتصادية التي تعرضنا لها ما كان يمكن ان تتم بمنأى عن تحولات مماثلة في عقول الكثيرين منا وفي لغتهم وتصرفاتهم... لقد اصبحت الثروة.. قوة.. فاقت الكلمة.. ولا يهم كيفية الحصول على الثروة.. المهم الحصول عليها.. فالناس مستعدة ان تغفر اخطاء الاغنياء والا ترى عيوبهم.. وان تغسل ذنوبهم.. ومن ثم فكل شيء مباح ومستباح مادمت تملك ثمنه. لقد اختصرنا مساحة هذا الوطن حتى اصبح اصغر من قمحه.. ضيقناه وعصرناه وفصلناه على انفسنا ومصالحنا فقط.. الوطن الذي يتعامل معه البعض منا هو نصف وطن .. ربع وطن.. جزء من مليون من الوطن.. وهذه الرؤية الضيقة تجعلنا نتعامل مع الوطن المادي وننسى الوطن النفس.. تتعامل مع الثروة وتنسى البشر.. نتذكر الزجاجة وننسى المطر... نتذكر المئذنة وننسى المؤذن .. فالنائب في البرلمان يتذكر الحصانة وينسى مصالح الناخبين.. والطبيب يتذكر الاتعاب وينسى الرحمة بالمريض.. وزعيم الحزب يتذكر وجوده على رأس الحزب وينسى انه يمثل حكومة في الظل.. ومهندس التنظيم يتذكر اتعابه وينسى ان يموت الناس تحت انقاض عمارة وافق على تشيدها رغم انها غير مطابقة للمواصفات..انهم كمن يتعامل مع الدين وينسى الله. هذا الفكر التجزيئي جعل الوطن عندنا رقعة شطرنج منفصلة الخانات.. وجعل من رموزه في مختلف المجالات جزرا متباعدة.. منفصلة.. واحجار شطرنج كل واحد له خط سير.. ودور مرسوم.. وهدف محتوم. انني لا أمل من تكرار ان مفهوم الوطن هو مفهوم بانورامي.. وصورته تتألف كالبناء من ملايين الاشياء.. من حبة رمل الى قرض من بنك.. ومن رغيف خبز الى معارضة في رأي.. ومن جراحة في قلب مريض الى حصة تاريخ في مدرسة.. ومن سجادة صلاة الى فيلم سينمائي. ولعل غياب هذا المفهوم السيمفوني جعل كل منا يعزف بمفرده نغمته النشاز.. ومن ثم اصبحنا في حالة صخب واصبنا بتلوث في السمع.. وهذا المفهوم جعل كل منا لا ينظر سوى تحت قدميه حتى ولو انهار البناء فوق رأسه.. فمن العبث ان انزع شقتي بدعوى الحرية الشخصية والملكية الفردية والمصلحة الذاتية ــ من البناء .. واستقل بها بعيدا.. تاركا الحطام يتساقط على رأس الآخرين.. ورأسي. ان هذا الحس الانفصالي.. الاناني هو السبب وراء توريد اطعمة فاسدة لتلاميذ المدارس.. وهو السبب في انفراد عدد محدود من رجال الاعمال بقروض ضخمة من البنوك وصلت في بعض الحالات لأكثر من ملياري جنيه.. وهو السبب في تدهور الائتمان التجاري حيث لم يعد الناس تقبل التعامل بالشيكات.. وهو السبب في ( تكويش) بعض الديناصورات على معظم البيزنس في السوق ليحرموا الاصغر منهم فرص النمو والتوسع.. ان الواحد منهم يعمل في السياحة والمقاولات والانترنت والنسيج والرخام.. وفي حركة الديناصورات تموت الأرانب والاعشاب الصغيرة. هذا الحس الانفصالي الاناني ضاعف من الأهمال واللامبالاة.. واصبح رد الفعل أقل من الفعل... فلا يمكن ان تمر كارثة قطار كفر الدوار بهذه البساطة.. فهي ليست الاولى.. وندعو الله ـ الذي لا نجد سواه ــ ان تكون الأخيرة.. ولا يمكن ان يكون ثمن الضحية خمسة آلاف جنيه ــ بعد الزيادة ـ اذ ما قتلت أو ألف جنيه اذا ما أصيبت.. ان هذا الثمن الرخيص للانسان لا يغلق باب الاهمال.. كما ان عدم محاكمة الجناة يزيد من احتمالات تكرار الكارثة.. ولا يمكن ان تمر كارثة (المسافر خانة) التي احترقت بهذه البساطة.. فأبسط مسؤولية امام التاريخ ان نحافظ عليه. ان ما يجري في المجتمع الان يحتاج الى كتائب متفرغة من علماء الاجتماع الذين لا اعرف لماذا خفض صوتهم في الوقت الذي نحتاجهم فيه.. لقد كانوا يهتمون بأبسط الظواهر الاجتماعية مثل ظاهرة الكتابة على السيارات التي وصفها الدكتور الراحل سيد عويس بهتاف الصامتين..ومثل ظاهرة ارسال الخطابات للامام الشافعي.. أين هؤلاء العلماء ليقولوا لنا.. لماذا يتصرف الناس في قمة المجتمع على هذا النحو؟.. لماذا ساء الاحساس الانفصالي الاناني داخل كل منا؟.. ما سبب عدم التعلم من الأخطاء التي نقع فيها والكوارث التي تحدث لنا؟. ان مهمة هؤلاء العلماء تجاوز غريزة القطيع.. وانصياع القطيع.. هي مشكلتهم في كل العصور.. فهم بطبيعة تفكيرهم عملية البحث الاجتماعي نفسها مضطرين الى تفسير العلاقات بين الاشياء التي تفرض نفسها.. والاشياء التي لا تريد ان تتغير. اننا في حاجة الى كلمتهم.. لا الى كلمات تحترف التبخير والخوف والتستر والمجاملة والتقية.