أصبح موضوع الحديث في شأن العلاقة بين الدول العربية واسرائيل من الموضوعات الثابتة في جدول أعمال الإعلام العربي, وهو جدير بأن يكون كذلك . لكن الأهم من ذلك هو لماذا نطرح تلك الموضوعات؟ وكيف نتناولها؟ من المهم كذلك ان تكون الذاكرة العربية حاضرة لا مغيبة في شأن تلك العلاقة. والمقصود بذلك هو عدم إلغاء تاريخ العلاقة بين الطرفين وتجاهل آثارها الماضية والحالية, خاصة وانك تتحدث عن شعب فقد هويته تحت الاحتلال, وهو الامر الذي يفقده السيادة على ارضه. واصبح من مظاهر ذلك الاحتلال المعاناة التي نالت ذلك الشعب حيث تم تهجير مئات الألوف منهم الى المنافي والشتات, نذكر ذلك, ونثبت في الوقت نفسه الموقف الايجابي من السلام بعد تعريفه على النحو الصحيح, لاكما تسوق له اسرائيل وتحاول حصره في ضمان أمنها وأمن المستوطنين الوافدين اليها. يضاف الى ذلك ان للسلام شروطا اساسية واستحقاقات مستوجبة من الطرف الاسرائيلي, ابسطها إزالة آثار الاعتداء وإعادة الحقوق الى اصحابها, وذلك حتى يمكن لهذا السلام ان يكون عادلا. إذ بغير ذلك فان كل ما نشاهده من فصول عبثية تتم باسم السلام لن تحقق معنى السلام كما نفهمه. فلا يمكن للقبلات الحارة ولا الابتسامات العريضة ولا المصافحات أن تلغي مساوىء الصهيونية وجرائمها في فلسطين. إذا تم ادراك ذلك أصبح مفهوما ما نشاهده من تلك الفصول التي كان آخرها في واي بلانتيشن, والتي تذكرنا ـ بطبيعة الحال ــ بالفصول المتقدمة في أوسلو وغيرها. وأحسب أن مرورا سريعا بما اشتملت عليه الاتفاقات التي تمت فيهما كافية لتعريفنا بالخلل المشهود في المسيرة التي انطلقت في مدريد عام 1991. واي بلانتيشن تذكرنا باستحقاقات أوسلو منذ أوسلو 93 وحتى واي بلانتيشن 98 اثبتت تلك الاتفاقات الورطة الكبرى التي وقع فيها الطرف العربي الداخل في عملية التسوية مع اسرائىل. كان جدول أعمال اجتماعات واي بلانتيشن الأخيرة حافلا بالعديد من الموضوعات, كان من أهم ما أعلن عنها: (*) تحديد حجم الانسحاب الثاني من الضفة الغربية بنسبة ثلاثة عشر في المائة بينها ثلاثة بالمائة محمية طبيعية. (*) وثيقة التفاهم الأمني التي ستنظم عمل أجهزة الأمن الاسرائىلي والفلسطيني في مسألة مكافحة الإرهاب. (*) مفهوم الارهاب بحاجة الى توضيح, وخاصة وان هناك خلطا بينه وبين حق المقاومة المشروعة ضد الاحتلال وآثاره. لكن مما يؤسف له أن الارهاب الوارد في جدول أعمال واي بلانتيشن كان وفقا للتعريف الاسرائىلي له. (*) إلغاء بنود الميثاق الفلسطيني (التي تدعو الى ابادة دولة اسرائيل) حسب التعبير الصهيوني. (*) قيام السلطة الفلسطينية بتطبيق اتفاق الخليل: تسليم الضالعين في حوادث قتل, جمع الاسلحة غير الشرعية, تقليص حجم افراد الشرطة الفلسطينية, ضرب البنية التحتية لحركة حماس والحركات الاسلامية الاخرى. (*) تطبيق ملحق المرحلة الثانية: تشغيل المطار الفلسطيني في رفح, تنظيم الممر الآمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة إطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين, وميناء غزة. وللتذكير, فقط فان معظم تلك البنود كانت واردة في اتفاقات اوسلو, واستحقت خلال الفترة الماضية, بل ان تلك الاتفاقات نصت على الانسحاب من 90% من اراضي الضفة للحكم الذاتي, غير ان اسرائيلاثبتت مواقف في عدم الالتزام بها, وذلك على الرغم من أنها لم تسلم مطلقا للفلسطينيين بالسيادة على الاراضي التي تم اعادة الانتشار فيها. ولعل أوضح تعبير على ذلك هو قول إسحاق رابين, رئيس الوزراء الاسرائىلي الأسبق, بعد أن واجه حملة انتقادات عنيفة في عام 1993 بعد التوقيع على اتفاق المبادىء: ان اسرائيللم تتنازل عن الارض, ولكنها تنازلت عن مجتمع في أرض, والمقصود بالمجتمع كما هو معلوم الفلسطينيون.مسألة التردد الاسرائىلي عبر عنها مؤخرا داني نافيه الامين العام للحكومة الاسرائيلية حيث قال: ان تقسيم الاراضي المقدسة اصبح حقيقة واقعة, وان العمل جار على تقليص الاضرار الناجمة عن ذلك قدر الامكان. فغني عن الذكر ان تسليم ثلاثة عشر في المائة من الارض سيلزم أجهزة الامن بان تكون على قدر أكبر من الاستعداد لمواجهة اي طارىء, علما بان الجانب الفلسطيني اراد ان تنقل اليه نسبة تسعين في المائة من اراضي الضفة الغربية مستندا بذلك الى اتفاقيات اوسلو, ونحن, أي حكومة اسرائىل, استطعنا منع وقوع ذلك, وانا اعتبر الأمر انجازا سياسيا بالغ الاهمية. (المشاهد السياسي 18/10/1998). في الحديث نفسه لم يفت داني نافيه ان يحمل السلطة الفلسطينية مسؤولية ماوصلت اليه عملية التسوية مع اسرائىل. فاستنكر عدم قبول الفلسطينيين الدخول في مفاوضات المرحلة النهائىة فقال: ما الهدف الذي يتطلعون الى تحقيقه, فإذا ارادوا الاستمرار بالنقاشات الفارغة واضاعة الوقت فإننا قد فعلنا ذلك على مدى عام ونصف العام.. وكعادة أولئك القوم في التملص من التفاصيل غير المرغوب فيها من الاتفاقات السابقة, وترحيل ذلك الى المرحلة النهائىة فقد استغرب واستنكر داني نافيه هذا الإلحاح الفلسطيني بشأن مسائل تتعلق بالميناء في غزة أو المطار في رفح, أو الممر الآمن, فهي في نظره لا قيمة لها وينبغي عدم التوقف عندها وإضاعة الوقت فيها! كان ما تقدم جزء من التصور الاسرائيلي بشأن اتفاقاتها مع الفلسطينيين, وهو تصور لا يبشر بأي خير كما هو ظاهر. ولكن ذلك لا يعكس بالضرورة حقيقة ما يجري بين الطرفين تحت الرعاية الامريكية. وحتى يجلس الطرفان مر اخرى في واي بلانتيشن, وقبله, واثناءه فهناك استعدادات وجهود حثيثة تبذل من أجل صفقة أخرى هي نسخة اخرى لاوسلو مع تعديلات اسرائىلية استدعتها تجربة الخمس سنوات من عمر تلك الاتفاقات. مشاهد من عمليتي الترتيب والتمرير لم يكن من قبيل الصدفة المحضة ان يتوجه مسؤول أمني بارز في السلطة قبيل اجتماعات واي بلانتيشن بالتحذير من العواقب الوخيمة لأي مواجهة مع اسرائيل. ثم التشكيك في تلقي الفلسطينيين أي دعم عربي مذكرا سيادته بعدم جدوى خيار المقاومة بعد ثبات فشله, وذكر سيادته بثمار أوسلو والانجازات التي تحققت في ظلها حيث قال: ان اسرائيل لن تعطي شيئا دون مقابل وقد حصل الفلسطينيون على اتفاق اوسلو عن طريق الاتفاق وليس عن طريق الدبابة!! وما أن بدأت اجتماعات واي بلانتيشن حتى تضاربت الاخبار والتقارير الواردة وتراوحت بين التقدم في المفاوضات للتوصل الى اتفاق والاخفاق في ذلك, حتى ان المرء كان يسمع خلال اليوم الواحد طائفة من ذلك النوع من الأخبار, وكان هناك حرص على ارسال الانطباعات بشأن وجود الاختلافات الشديدة بين الطرفين والتباين في مواقفهما والمشهد المثير في ذلك ما نقل عن الضغط الهائل الذي تمارسه الادارة الامريكية على نتانياهو من اجل التوقيع على الاتفاق المقترح, مما دعا رئيس الوزراء الاسرائىلي الى حزم امتعته وحقائبه احتجاجا على ذلك الضغط الامريكي, بل أن أحد المسؤولين الاسرائىليين المرافقين لنتانياهو, ذكر ان الاستعدادات الفنية لإقلاع طائرة نتانياهو قد تمت. وتذكرنا هذه المشاهد بمشاهد مماثلة حدثت في القاهرة عند التوقيع على اتفاق الحكم الذاتي الفلسطيني عام 1994 والاختلاف حول الخرائط التي تحدد مساحة اريحا, مما ادى الى وجود تردد لدى الطرف الفلسطيني في التوقيع على ذلك الاتفاق, ما لبث أن انتهى ذلك المشهد, الذي تابعه المشاهدون عبر شاشات التلفزيون وخلال دقائق معدودة, الى استجابة وقبول بما كان معروضا في ذلك الوقت. اما عن مصير واي بلانتيشن, فلا يتوقع ان يكون افضل من سابقه. ليس هذا من قبيل التشاؤم أو تمني سقوط السلام الموهوم, بل أن الاحداث التي شهدتها الارض المحتلة بعد التوقيع مباشرة, والمواجهات العنيفة في مدينة نابلس مع قوات الاحتلال, وفرض الحصار على مدينة الخليل من المؤشرات التي ترجح سقوط الاتفاق الاخير. خاصة وان بوادر التحلل منه قد بدأت في الظهور من الاطراف التي اشتركت فيه. فآخر الاخبار يشير الى ان نتانياهو (الشريك الجديد) في عملية السلام قد جمد تطبيق اتفاق واي بلانتيشن, وذلك بتأجيل اجتماع مجلس الوزراء الاسرائىلي, وبرر ذلك بسوق الاتهامات للشريك الفلسطيني وعدم التزام هذا الاخير بخطة مكافحة الارهاب. اما الولايات المتحدة فقد بعثت اشارات متناقضة حول الاتفاق, احداهاش ان الاتفاق غير ملزم قانونيا!, والأخرى تمثل دعوة للدول العربية لإعادة النظر في علاقاتها مع اسرائىل, وهي الدعوة التي تتلخص بتسريع خطوات التطبيع الشامل مع الدولة العبرية. مدير جامعة زايد بالانابة