حين نصحه محبوه وأصدقاؤه, بأنه ليس من الحكمة ان يكتب من موقع (ضد التيار)أجابهم الصحفي الكبير(أحمد بهاء الدين) رحمه الله: ان مسايرة مزاج الأغلبية ضد الصدق والأمانة, وانما يكوِّن الكاتب رصيده من القراء من هذين المدخلين, الصدق والأمانة, وعليه ان يحترمهما اذا أراد ان يحتفظ بقرائه وبرصيده . كلنا بحاجة لتأمل ذلك, وقد كنت بحاجة لأن أتعرف على هذه الحقيقة, وأنا أفكر في مواضيع كثيرة وقضايا عديدة تتفاعل حولي وأمام ناظري, وتحتاج للكتابة عنها, وكنت حين أطرحها على المقربين, أسمع نصيحة خلاصتها: لا تكتبي في هذه المواضيع, لأنك سوف تصطدمين بواقع قاس وبمزاج الأغلبية من القراء. بيني وبين نفسي شكرت لهؤلاء حبهم وحرصهم, لكنني لم آخذ بنصيحتهم يوما, ذلك ان مسايرة مزاج الناس قد تصل بالكاتب يوما للحديث في التفاهات والسخافات سيرا على قاعدة ابتدعها سماسرة الفن: (الجمهور عاوز كده)! وبدل الدور المطلوب سيجد الكاتب نفسه يكرس موقفا موافقا على الأخطاء والاعوجاجات والتشوهات التي تملأ الأجواء حولنا. ليست مهمة الكاتب في ان يكتب ارضاء للقراء, فهو ليس متعهد حفلات أو مصمم أزياء أو ديكور, وسواء رضي القارىء عما يكتب أو احتج عليه, فذلك لا يعني ان نربط أقلامنا بمراكز التنبؤ عند القارىء, ثم نوجهها حسبما نظن انه يهوى ويريد. نحترم القارىء نعم, نعبر عن همومه وتطلعاته نعم, نناقشه ضرورة, نتحاور معه ونختلف أو نتفق فذلك واجب, لكن ليس صحيحا ان نسير وفق ما يريد, لأن القاعدة ان الكتَّاب هم صناع الفكر وموجهو الرأي في المجتمع والمفروض ان يكونوا حملة القنديل في أول القافلة لا مهرجين. ثم من هو القارىء الذي نكتب له؟ انه انساننا الذي نحبه, انه نحن والوطن في النهاية, اما لماذا نكتب له؟ فلأن ذلك قدرنا أولا, ثم لأننا نريده ان يعرف, والمعرفة ضرورة ينمو بها الانسان, ومعه ينمو الوطن, تماما كما قال يوما الرئيس الأمريكي ابراهام لنكولن: (دع الناس يعرفون كل الحقيقة وسوف يعيش المجتمع في أمان) . نحن نكتب أيضا لكي يتخذ القارىء قراره بتصحيح الخطأ, هذا عندما يكون القارىء صاحب القرار في المجتمع, فالقارىء لا يخرج عن أحد اثنين, إما صاحب قرار وإما انسان عادي سيتأثر بما يجري وبما يقرر له أو ضده ونحن نكتب للاثنين, وفي النهاية نحن نكتب لنغير لا لنكسب الحب والرضا, فلم تكن الكتابة وسيلة لذلك يوما. حينما نتكلم عن الاعلام والاعلاميين, وحينما نصر على كشف أخطاء وزارات ودوائر ومدارس وأخطاء الآباء, أو حين نقول بوجود تجاوزات يمارسها البعض, يغضب الكثير من الناس. لكننا يجب ان نقول ما نعتقد انه صحيح, لأننا نسعى ولو بشكل بسيط جدا لإعادة العربة إلى قضبانها, فما يحدث خطير والنتيجة ليست في صالحنا أبدا, ثم ان الوطن ليس ملكنا وحدنا, انه ملك للأجيال القادمة التي نعمل اليوم لنؤمن لها وطنا أجمل في الغد.