قد لا امتلك الشيء الكثير لاقول لك عن مخططاته السياسية ذلك لانه اقبل على قيادة سفينة تتلاعب بها امواج بحر صاخب, ولعله ينتظر هدوء موجات (الدوما) واستقرار عواصف ذلك المزيج الحافل بالتنافس بين المؤسسات الرسمية شبه المستقلة . انه في حاجة الى الانتظار زمنا ليحسم رأيه في طموحات مؤسسات الطاقة لتطوير الانتاج النفطي في بحر قزوين تطمينا وترويجا لمصالحها, كما هو محتاج الى مثل هذا الزمن او اكثر ليصل الى رأي قاطع في مسائل بيع السلاح الى اي قطر في العالم وبدون استثناء. اذا لم يكن لدي الكثير في كل ذاك فربما لدي شيء ذو غنى عما دار في ذهن هذا الرجل في يوم ما حين كان تسلمه منصب رئاسة مجلس وزراء روسيا الاتحادية مجرد خواطر واحلام. وبعد, فهو يفجيني بريماكوف الذي شهدت كييف في اوكرانيا مولده في 1929. نشأ (صحفيا) وهي صفة بيانية متأنقة تخفي في طياتها عملا مخابراتيا. ومع الخمسينات انتهى به المطاف الى العمل في السلطة الروسية للاذاعة. وتطور به الامر او طور امره ليجيد العربية والانجليزية وليصبح في اطار علماء الاستشراق على مقربة من المؤسسة الاستخبارية في الاتحاد السوفييتي وليقوم في السبعينات والثمانينات بدور مركزي في صناعة القرار السوفييتي في قضايا الشرق الاوسط. وفي نطاق عمله الاستشراقي تصاعد ليحتل منصب مدير معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم السوفييتية. ولجهده الاكاديمي المتميز فقد نال بريماكوف جائزة جمال عبدالناصر الدولية عن كتابه (مصر في عهد الرئيس عبدالناصر) . لعل ابلغ ما قيل في وصفه سياسيا انه بارومتر سياسي, عرف كيف يسيس مواقفه في عهود برجنيف وجورباتشوف ويلتسين. ليس بالصديق للولايات المتحدة وليس بعدوها الالد. انه ما يمليه الموقف! قلت ليس لدي الشيء الكثير مما اقول عن مخططاته السياسية وربما انت مثلي لست بدار ما هو صانع ازاء الوضع المالي المترجرج في روسيا. ليس ثمة أمل في مشروع انقاذ تتقدم به الولايات المتحدة ليفعل فعلته على نحو ما حققه مشروع مارشال لالمانيا وايطاليا. وليس ثمة في اوروبا من يعيد الى الاذهان قولة ونستون تشرشل: الشهامة عند الانتصار! الولايات المتحدة لديها ما يشغلها لتطوير ميكانزمات اقتصادياتها لتستطيع الثبات في عالم تهتز مقوماته المالية. ولدى اوروبا ما يشغلها وهي تبذل كل ما في وسعها من جهد لتقويم سوقها المشتركة وترويج عملتها الموحدة. وربما قد سمعت تصريحه بان روسيا ليست بالدولة التي تعلن افلاسها. وهو اذ يعلن ذاك يضيف بان دولته ستسدد كل دين في حينه. ومع ذلك فقد مضى زمن ولم تدفع هذه الدولة وفي الوقت المناسب القسط المستحق من ديونها لالمانيا, كما اضطرت الى اعادة جدولة لتسديد ديون الاتحاد السوفييتي السابق الى نادي باريس. ومع ذلك, فان ما توفر لدينا من علم عن خبرة الرجل الاكاديمية الاستشراقية وكذلك ما تهيأت له من فرص عملية لاعتراك سياسات الشرق. يتيح لنا ان نقول شيئا عما يطوف في ذهنه من اجتهاد. وقد يكون التعرف على هذا الاجتهاد نافعا لامتنا في طريق تبصرها واحتوائها لاطماع الطامعين. قد يكون هذا الاجتهاد متعدد المناحي ولكن النقطة المركزية فيه ان افاق تطور الشرق وفقا للمنظور القريب لا تسمح بالتنبؤ. الظواهر معقدة, وبقدر ما فيها من تعقيد نجدها حافلة بالتناقض والتباين على مختلف المستويات من التغيرات السياسية والاقتصادية وفي نقطة المركز من الاجتهاد ايضا القول بغياب معيار اساسي ثابت يمكن الحكم من خلاله على الفعل التنموي واثاره, ان صورة بلدان الشرق باعتبارها نامية تتغير بتغير زاوية التحليل, ان تلك الدول متماثلة باعتبارها (اطرافا) تستغلها دول (المركز) ولكنها غير متماسكة في الموقف من السياسة الدولية. ان التساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو ما الذي ينوي بريماكوف فعله؟ اتراه سيظل منشغلا بالازمة الاقتصادية وعصابة القلة المتلاعبة بالشأن المالي؟ ايستطيع تجاوز اجتهادات رأس الدولة الذي اتعبه مرض القلب؟ اتراه يضطر الى نهج مغامر على نحو ما كان يفعله نابليون: (في البداية يجب دخول المعركة ثم... سنرى) ! ان جانبا ليس بالقليل من الافكار التي اوردها بريماكوف في كتابه: (بعد انهيار النظام الاستعماري) الذي نشرته في الثمانينات دار التقدم بموسكو قد تحطمت على صخور الواقع.. ولم يعد في الامكان قبول تصور المؤلف بان الشرق سينتهي الى ما يماثل ما عليه الاتحاد السوفييتي سياسة واقتصادا وفكرا, ان الاتحاد السوفييتي ذاته قد انهار ودول الشرق مازالت مضطربة المسار تتأرجح على (قوس عدم الاستقرار) على حد تعبير بجيزنسكى, ومع ذلك فإن المعنيين بالشأن السياسي في الشرق, وبالاخص المنطقة العربية لايودون الاكتفاء بقراءة الافكار الواردة في (بعد انهيار النظام الاستعماري) ان لكل حين مواجهاته التي تتطلب تجديدا في الافكار بقدر ما تتطلب تجديدا في الممارسات, ان الطرح الذي تحاول بعض القوى الغربية الكبرى تثبيته في الصراع الاسرائيلي هو الابقاء على سياسة (لا حرب كبيرة ولا سلام عام) . وذلك يعني استمرار نزيف الدم العربي, وتعطيل عجلة التنمية الاقتصادية العربية وتوجيه الموارد البشرية لغير ما ينبغي ان تتوجه اليه في بناء حضارة الانسان. قد لا تكون امام بريماكوف اختيارات متعددة ازاء الموقف من الاصلاح من اجل الاستمرار على سياسة السوق, ان الخشية قائمة من انصراف الاستثمارات الغربية, وما يحمل ذلك من انحسار لطموح الانسان الروسي في حياة ان لم تكن مرفهة فهي لاتحمل شظف العيش ومعاناة الوقوف في طوابير للحصول على اللحم والدقيق ومعايشة حسرة التطلع الى سراويل الجينز, اذا لم تكن هناك اختيارات متعددة, فإنه لواجد اختيارا واحدا يمليه عليه حسه الاستشراقي, ان حضارة الانسان العربي جديرة بالنمو بحكم اصالتها وتطلعاتها النبيلة, والتجارب مع هذا الحس الفريد هو ما تنتظره امة العرب ومع هذا التجاوب سيكون لنا اكثر من حديث.