العالم القديم لونته الانتماءات الدينية والقومية, ثم جاء عهد الحداثة يصحب الثورة الصناعية, وتمدد النظام الرأسمالي حتى بدا ان نظامه الاجتماعي الطبقي سوف يهيمن على العالم كله , ومن احشاء الرأسمالية انطلق البيان الشيوعي الذي أعلن ان الطبقة العاملة التي افرزتها الرأسمالية هي البروليتاريا التي لا يربطها ولاء لدين أو قومية, ولاؤها للطبقة العاملة المستغلة ودورها المحتوم هو ان تثور على النظام الرأسمالي وتقيم النظام الشيوعي الجديد على مستوى العالم. اتخذ النظامان موقفين ايديولوجيين متعاديين, وخاضا الحرب الباردة التي انتهت رسميا عام 1991 لتترك العالم خاليا من النزاعات الايديولوجية, وبرزت فيه النزاعات الحضارية والثقافية حتى كأن العالم حاد سيرته الاولى إلى ما قبل الحداثة. الثقافة هي قيم وعقائد وعادات وتقاليد المجتمعات, والثقافة اذا صارت كاتبة حاسبة وتجاوزت الطابع المحلي إلى مجال ارحب صارت حضارة, يشهد عالمنا المعاصر عشرة آلاف ثقافة وثماني حضارات حية, لقد صارت علاقات الوفاق والفراق بين تلك الحضارات والثقافات تؤثر اكثر فأكثر في العلاقات الدولية حتى بدا لكثير من المفكرين والكتاب امثال صمويل هنتجتون ان العلاقات الدولية في عالم اليوم في حالتي التصالح والصدام سوف تكون علاقات بين الثقافات والحضارات. الامة العربية كيان تتجسد فيه بصفة فريدة علاقة بين القومية والدين: بين العروبة والاسلام, هذه العلاقة الفريدة واضحة في نصوص الوحي وواضحة في الصدر الاسلامي الاول, لكن العهد الأموي كان عهد احتفاء اكثر بالانتماء العربي, وتمادى في طابع للعروبة فيه درجة من التناقض مع عالمية الاسلام, واثار درجة من التنافر مع القوميات الاخرى, هذا الطابع للعروبة اسميه النهج الأموي, واعتبره مختلفا مع الفهم المتحرك للقومية العربية. الفهم الصحيح للعروبة فهم بموجبه صار اسماعيل (ع) ذو الاب الاعجمي ـ ابراهيم (ع) ــ والام الاعجمية ــ هاجر ــ ابا العرب المستعربة, وهو الفهم الذي بموجبه سادت مقولة المصطفى (ص): ليست العربية لاحدكم من اب أو ام, من تكلم العربية فهو عربي, الفهم الاموي للعروبة فهم لازم, والفهم الاخر لها فهم متعد, إذا جاز لنا ان نستعير من مصطلحات النحو العربي. الامة العربية تجاور قوميات كبرى هي القوميات: الفارسية, والتركية, والهندية, والاوروبية, والافريقية, ان للقومية العربية في العصر الحالي جوارا جغرافيا وسياسيا, وتداخلا ثقافيا ودينيا مع هذه القوميات. ان الفهم الاموي للقومية العربية من شأنه ان يخلق تناقضا بين العروبة والاسلام من ناحية, وبين العروبة والقوميات الاخرى مثلما حدث تاريخيا بين العروبة الأموية والشعوبية, هنالك فهم مثالي للاسلام, فهم يعتبر ان كل ما يحتاجه الانسان من هداية ومعرفة قد نزل به الوحي فلا يحتاج الانسان الا ان يحسن التلقي والامتثال. انه فهم يلغي الواقع القومي والثقافي للانسان بحيث لا يجوز له ان ينتمي لشيء سوى العقيدة الدينية.. انه فهم يعتبر الانتماء القومي من مخلفات الجاهلية. مقابل هذا الفهم المثالي للاسلام فهم انساني للاسلام, يعتبر: - الاسلام آخر حلقة في سلسلة الأديان الابراهيمية المتحدة في أهم حقائق الوحي. - ان العقل الانساني هو المتلقي لحقائق الوحي واجتهاده ضروري لتفسيرها والاهتداء بها. - للعطاء الانساني ايجابيات ينبغي للانسان ان يستصحبها في نهضته وتطوره. الفهم المثالي للاسلام فهم تدفعه حرارة الحماسة وتنقصه احاطة الوعي.. انه فهم التف حوله الخوارج تاريخيا. في العصر الحديث أحست الاقلية المسلمة بخطر شديد في محيط الاغلبية الهندوسية المتعصبة في شبه القارة الهندية.. هذا الاحساس بالخطر أفرز المدرسة المودودية ذات الفهم الحماسي المثالي للاسلام. وفي مصر العشرينات كما في كثير من البلدان الاسلامية ساد اعجاب هائل بانجازات الحضارة الأوروبية وشعر كثير من المسلمين بخوف شديد على مصير الاسلام بعد الغاء الخلافة الاسلامية.. هذه المخاوف أفرزت طائفة من حركات البعث الاسلامي, ومن أهمها حركة الاخوان المسلمين. لعبت حركة الاخوان المسلمين دورا في الانتصار للاسلام في العصر الحديث لاسيما في وجه التمدد الشيوعي, ودخلت في صراع استئصالي مع التيارات الفكرية والسياسية الاخرى لاسيما التيار الناصري.. على يد الناصرية واجهت الاخوانية محنتها الكبرى فأدى ذلك الى نشأة اجتهاد اخواني استئصالي مضاد صاغ أطروحته المفكر الاسلامي سيد قطب. لقد تعرضت تركيا العثمانية لاخفاقات كبيرة استغلها مصطفى كمال أتاتورك في حركة استئصالية لكنس الماضي والحاق البلاد بأوروبا بخيرها وشرها! وفي ايران حاولت السياسات الشاهنشاهية استئصال الماضي بنفس الحماسة الكمالية (منسوبة لمصطفى كمال) ولكن الظروف هنا اختلفت في أمرين: الأمر الأول: لم يجسد الماضي نفسه في شكل مؤسسة كالخلافة العثمانية ليلحق بها الادانة وتحمل المسؤولية. الأمر الثاني: وجدت مؤسسة دينية شيعية ذات دور ديني اصلاحي ووطني وذات تماسك وحدوى. لذلك استطاعت احدى قيادات هذه المؤسسة الشيعية ان تواجه الاستئصالية الشاهنشاهية باستئصالية حماسية مثالية اسلامية مضادة صاغ اطروحتها آية الله الخميني. هذه المدارس الثلاث ــ المودودية, القطبية, الخمينية ــ مدارس ملحقة بظروف تاريخية معينة, وهي مدارس تتفق في الغاء دور الانسان لصالح فهم ثيوقراطي للاسلام, وتتفق في حماستها ومثاليتها وفي نظرتها الاستئصالية التي لا تعرف التسامح بين الاجتهادات الاسلامية داخل الملة, ولا التعايش بين الاديان, ولا تسمح بمساحة للانتماءات القومية أو أي انتماءات خارج فهمها المثالي الحماسي للاعتقاد الاسلامي. الفكر البعثي العربي الحديث فكر متأثر بعوامل كثيرة أهمها العوامل الثلاثة الآتية: - أولا: تأثر التوجه القومي العربي الحديث كله برفض للدعاوى العثمانية التي فرضت هيمنة قومية طورانية باسم الاسلام. - ثانيا: الحاجة لايجاد قاسم مشترك بين العرب المسلمين والعرب المسيحيين في المشرق العربي خاصة. - ثالثا: أصداء الفكر القومي الأوروبي وهو فكر يربط بين القومية والرحم. الفهم البعثي للقومية العربية تأثر بهذه العوامل ويمثل النسخة العصرية للفهم الاموي للقومية العربية. انه فهم لا يسمح بعلاقة ايجابية بين الدين والقومية ولا بعلاقات تواصل دافئة بين القوميات المختلفة. ان الفهم البعثي القومي العربي, والفهم المثالي الخمينوي الاسلامي هما من أهم العوامل الكاملة وراء الحرب الايرانية العراقية (1980 ــ 1989).. كنت ساعيا بكل قدراتي ان أوقف تلك الحرب, وكنت أقول لآية الله الخميني ــ رحمه الله ــ انني اعتبر ايقافها واجبا دينيا, وكنت أقول للرئيس صدام حسين انني اعتبر ايقافها واجبا قوميا. ولكنني في الحالين كنت أواجه استنكارا لموقفي لتناقض واضح بين فهمي الاسلامي وفهم القيادة الايرانية الاسلامي, وتناقض واضح بين فهمي القومي العربي وفهم القيادة العراقية. لم يستجب الطرفان لندائي, وكنت أدرك انهما حبيسا فهمين للدين والقومية متعارضان مع فهمي للدين والقومية. كانت تلك الحرب حربا عبثية أتلفت ما أتلفت من الارواح ــ مليون قتيل ــ وأضاعت ما أضاعت من الأموال ــ مائة وخمسون مليار دولار ــ ولم يتحقق هدف استراتيجي لأحد طرفيها, بل انتهى الأمر كما كان في بداية الحرب. وأتاحت الحرب مجالا لاضعاف الدولتين, ولتقديم أولويات خاطئة, ولفتح أوسع مجالات التدخل الاجنبي.. قال الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون في كتابه (النصر بلا حرب 1999) , مشيرا لتلك الحرب وما تحققه من اضعاف لطرفيها: (اذا جاز لأحد ان يتمنى حربا فإنها هذه الحرب. واذا جاز له ان يتمنى شيئا بشأنها فإنه يتمنى ألا ينتصر أحد طرفيها) !! لم يكن سعينا لايقاف تلك الحرب العبثية مشكورا, بل واجهنا المآخذ والاتهامات من الاقارب والأباعد. ولكن اتضح صواب موقفنا بعد فوات الأوان, وشكرنا من شكرنا على بعد النظر. واليوم ماذا يمكن ان يقال بشأن النزاع السوري التركي وما قد يجر اليه من حرب؟ ان للعلاقات العربية التركية ماضيا معقدا, لقد كان أول تعبير للوعي العربي الحديث ملونا بمواجهة السلطان العثماني. وورثت تركيا الكمالية الموقف القومي التركي الذي يتهم العرب بطعن تركيا من الخلف للانتصار للحلفاء في الحرب العالمية الاولى (14ــ 1918م). الايديولوجية الكمالية التي تمثل الآن نحلة المؤسسة العسكرية التركية (علبت) موقفا تاريخيا فيه: - العداء الحربي العثماني. - المحاكاة لأوروبا في وقت فيه ساد في أوروبا عداء مستحكم بين العلمانية والدين. وهو عداء تجاوزته أوروبا الحديثة ووجدت دولها المختلفة وسائل للتوفيق بين العلمانية والدين. ان التناقض بين هذه الايديولوجية التركية والايديولوجية البعثية السائدة في سوريا لا يستغرب. هنالك أربعة عوامل صعدت هذا التناقض ويمكن ان تسوقه الى حرب عبثية ثانية. تلك العوامل هي: - المسألة الكردية. - مسألة المياه. - مسألة الهوية التركية. - المسألة الاسرائيلية. ان المسألة الكردية من أهم القضايا الجيوسياسية في الشرق الاوسط. لكنها لا تحظى بالقدر الكافي من الجدية بل تترك للتعامل الانتهازي غير الجاد وغير المسلول. ان للاكراد وجودا ثقافيا وقوميا راسخا, وان لهم وجودا سكانيا مفرقا بين العراق, ايران, تركيا, سوريا وآسيا الوسطى. وان ترك هذه المسألة للتناول الميكافيلي هو دليل آخر على ضعف المسؤولية الاقليمية والدولية. لابد أن يأتي يوم يتم فيه الاعتراف التام بالمسألة القومية الكردية لحلها على أساس الاعتراف بالهوية الكردية الثقافية والصلاحيات اللامركزية التي يرتضيها الاكراد أصحاب الشأن. أما بالنسبة للأمة العربية فإنه لا مناص من قبول التعامل مع المجموعات الوطنية الثقافية ــ الأقليات القومية ــ على أساس الاعتراف بها وتخويلها الصلاحيات اللامركزية اللازمة, وقبول المجموعات الوطنية الدينية غير المسلمة والتعامل معها على أساس التسامح والتعايش الديني وعلى أساس جعل المواطنة مصدر الحقوق والواجبات الدستورية. أما مسألة المياه فينبغي ان ندرك ان حوالي 70% من المياه العربية تنبع في أرض غير عربية. وان ندرك ان الماء قد صار اكثر فأكثر مادة متناقصة بالقياس للحاجة اليها.. هذه العوامل تؤدي لظهور عوامل جيوسياسية واقتصادية واستراتيجية متعلقة بالمياه. وهي عوامل لا تسمح بالتعامل المبتسر او المحدود. لابد من الدراسة الاقليمية والدولية الجادة لموضوع المياه في الوطن العربي, وعلاج مشكلة المياه في وادي الرافدين على أساس شامل. ان الايدولوجية الكمالية المتحكمة في بعض الاوساط التركية الهامة لاسيما العسكرية تمثل جسما متحفيا في طريقه للانقراض, ولكنها تحاول ان تكتب لنفسها عمرا جديدا بعد أن تأكد انزواء اطروحتيها وهما: أطروحة ان العلمانية المتطرفة تمثل مستقبل العالم وان على الجميع تصفية كافة الهويات لصالحها. أطروحة ان تركيا جزء لايتجزأ من أوروبا. أما الاطروحة الأولى فقد هزمت في أوروبا نفسها اذ وجدت العلمانية الأوروبية لنفسها توافقا مع المسيحية في كل البلدان الأوروبية. كما هزمت الاطروحة في المجتمع التركي نفسه بعد سبعين عاما من الهيمنة. أما الاطروحة الثانية فقد اتضح ان أوروبا غير متحمسة لضم تركيا اليها كما أن أجزاء هامة من الرأي العام التركي ترى أن لها هوية بديلة. إذا أجريت انتخابات عامة حرة في تركيا اليوم لاتضح اكثر فأكثر ان الايديولوجية الكمالية قد احتلت مكانا في متحف التاريخ. ان العسكرتارية التركية تحارب اليوم معركة الأمس. وتجد في: ــ التعامل البعثي مع القضية الكردية. ــ التحريض الانتهازي الاسرائيلي. ــ موضوع المياه المؤجل. عوامل مساعدة لدق طبول حرب أمسية (نسبة للأمس لا لليوم).. اذا وقعت حرب تركية سورية اليوم أو غدا حول قضايا النزاع الحالية فإنها ستكون حربا عبثية كالحرب الايرانية العراقية الماضية, وينبغي شجبها وإدانة الداعين لها, والعمل للحيلولة دونها بكل الوسائل. ان موقف العروبة بحاجة لانتشاله من التعبير القومي الأموي القديم والجديد. ينبغي أن تدرك الأمة العربية العلاقة العضوية بين الإسلام والعروبة.. الإسلام الرسالة الانسانية لا اسلام الاحتجاج المنكفىء. والأمة العربية بحاجة لادراك ان لها علاقات جيوسياسية وثقافية استراتيجية مع القوميات المجاورة لها: التركية, الايرانية, الهندية, الافريقية والاوروبية.. هذه الاستنارة الاسلامية والقومية هي السبيل لتبني مشروع قومي حضاري يفتق طاقات الأمة العربية ويحقق مثلها ومصالحها ويتصدى لاسرائيل باعتبارها جسما غريبا يحاول الغاء الدور الحضاري الإسلامي العربي مستغلا التناقضات المميتة المشار اليها هنا. ان الجسم الاسرائيلي الغريب يهدف لالغاء الدور الحضاري الاسلامي العربي ليحل محله دور يجعل المنطقة ذيلا لهيمنة غربية تقودها اسرائيل بالوكالة. التحدي المعاصر هو هزيمة هذا التطلع الاستعلائي واقامة العلاقة بين الحضارة العربية الاسلامية وبين الحضارة الغربية على أساس الاحترام المتبادل والتعاون الندي, وامتصاص المكون البشري العبري في وجود ديني وقومي مكرم ومساهم بايجابية في العطاء الحضاري.