حرية الصحافة قضية قديمة جديدة في آن واحد وستظل هكذا الى الابد لان الجدل السائد حولها يجسد صراعا كامنا بين رغبة السلطة في كل المجتمعات في المحافظة على وجودها واستقرارها ورغبة الصحافة في ان تعمل متحررة من القيود وحق الرأي العام في ان يحصل على المعرفة . ان الاحتياجات المتعارضة لهذه الدوائر الثلاث هي التي تثير الجدل من وقت لاخر حول حرية الصحافة, وتقدم فضيحة لوينسكي مثالا حيا لهذه الاشكالية, فالرأي العام يريد ان يعرف الحقيقة والصحافة تقاتل من اجل اشباع هذه الحاجة بغض النظر عن اي شيء والسلطة تراوغ حتى لا تقع تحت طائلة المحاسبة, ويرتبط مفهوم حرية الصحافة في الغرب مع مقولة ابراهام لنكولن دع الناس يعرفون كل الحقيقة وسوف يعيش المجتمع في امان بعبارة اخرى يرى لنكولن ان حريت الصحافة هي صمام الامان, وهذه مقولة صحيحة الى حد كبير فالرأي العام المستنير اقرب الى اتخاذ قرارات صائبة واختيارات صحيحة من مجتمع يعيش في ندرة من المعلومات او اشباه حقائق, كما ان الرأي العام الملم بحقائق الموقف يصعب التلاعب به وجره الى صراعات لا طائل من ورائها والمتتبع لتاريخ الصراعات العربية ــ العربية والعربية الدولية سوف يجد ان غياب الوعي بحقائق الموقف (اي موقف) هو الذي سمح للطرف الآخر بالسيطرة على عقول الناس في مجتمعاتنا وجرها الى صراعات نعالني منها حتى اليوم وتقدم حرب العراق والكويت الاخيرة نموذجا لذلك. وقد انعكست اراء الفلاسفة على علاقة السلطة بالصحافة ووسائل الاعلام الاخرى في المجتمع الامريكي, فالوسيلة الاعلامية الوحيدة التي تمتلكها وتديرها الادارة الامريكية هي اذاعة صوت امريكا لانها لا تقدم رسالتها الى المواطن في امريكا ولكنها تقدم مادة دعائية تخدم اهداف بناء الصورة والدفاع عن السياسة الامريكية في الخارج, وتدعم الادارة كذلك الراديو والتلفزيون العام في الولايات المتحدة دون تدخل سياسي في مضمونها, اما الصحافة فلا دخل للحكومة فيها. ومع ذلك يحتل الصحفيون مكانة متدنية من حيث شعبيتهم وتقدير الرأي العام لهم, اذ يقول جورج كرمسكي الرئيس السابق لقسم الاخبار بوكالة انباء اسوشيتدبرس لايحظى الصحفيون بتقدير المجتمع الامريكي في الوقت الحاضر اذ ينظر اليهم الرأي العام باعتبارهم اصحاب قوة جبارة وسلطة لاحدود لها, في نفس الوقت لايقدمون الحقيقة ولا يحترمونها ومن ثم فانهم لايشبعون توقعات الرأي العام منهم, ويتحفظ كرمسكي على ما اذا كان تقديم الحقيقة كاملة يحقق الصالح العام ام انه قد يلحق الضرر بالمجتمع, فاذا كان تقديم الحقيقة عن بؤر التوتر والصراعات في المجتمع سوف يدفع الى المزيد من الصراع والتوتر فهل هذا مما يخدم قضايا المجتمع وامنه؟ واتساءل ايضا هل متابعة ونشر ادق تفاصيل فضيحة لوينسكي مثلا يخدم ام يضرالصالح العام في المجتمع؟ ما اود ان اشير اليه هو ان كل مجتمع يفرز صحافته ونظمه الاعلامية التي تستجيب لاهتماماته وتعمل على اشباعها, كما ان الصحافة في لحظة معينة ما هي الا تعبير عن التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمجتمع, فحرية الصحافة لا يكفلها مجرد قانون او دستور بل يحققها او يهدرها مستوى التطور الثقافي العام في المجتمع الذي تخدمه. مشكلة الصحافة الليبرالية لم تنجح الصحافة الليبرالية في كسب ثقة القارىء الذي يتطلع الى صحافة متحررة ولكن عادلة في ذات الوقت ومن هنا ظهرت الحاجة لوضع ضوابط للحرية, وقد عبر المؤتمر الاخير للمنظمة الدولية لمنتدى الحرية بعنوان صحافة حرة وعادلة والذي عقد بالقاهرة في الشهر الماضي عن الوجه الاخر لحرية الصحافة فلا قيمة للحرية في غياب المسؤولية ولا قيمة للحرية في غياب الموضوعية ولا قيمة لصحافة حرة غير عادلة, لكن العدل والمسؤولية والموضوعية اعتبارات صعبة المنال في ظل صحافة تسعى الى الربح والاثارة لكسب جماهير جديدة ومعلنين جدد وعلى الرغم من ان الفصل بين الخبر والرأي والمعلومة والتعليق عليها وكذلك تقديم الاوجه المختلفة للحقيقة معايير يمكن ان تدفع الى الاقتراب من العدل والموضوعية والمسؤولية الا ان هذه المعادلة لاتزال بعيدة عن ارض الواقع وستظل الصحافة في المجتمع الغربي تتأرجح بين رغبة الحكومات في تقييد حرية الوصول للمعلومات ونشرها بدعوى حماية الامن القومي وحق الرأي العام في المعرفة ولكن ماذا لو ان حق المعرفة اضر بالرأي العام؟ أليس من المنطق حجب المعلومة عن القارىء في مثل هذه الحالة؟ والاجابة قد تكون بالايجاب لكن يظل التساؤل من صاحب الحق في منع المعلومات في مثل هذه الاحوال. الفكر الليبرالي يمنع على الحكومات التدخل لحجب المعلومات حتى في الاحوال التي يحقق فيها المنع المصلحة الجماهيرية لان اعطاء الحكومات هذا الحق سوف يتبعه اساءة استخدامه وتوسيع نطاقه وظروفه للدرجة التي تمثل تهديدا حقيقيا لحرية الصحافة ويرى الليبراليون ان الصحافيين انفسهم هم اصحاب القرار بالمنع ويتحدد ذلك في ضوء احساسهم بالمسؤولية نحو القارىء فالصحفيون قادة رأي في المجتمع ومن خلال خبرتهم الطويلة في العمل الصحفي يقررون ماذا يجب نشره وماذا يجب حجبه الا ان هذا الحق لا يزال غير مستقر بعد. ويبقى وجود رأي عام متعلم ومستنير وقادر على التمييز بين الغث والسمين وما ينفعه ويضره هو العنصر المفصلي الحاكم بين سلطة الصحافة وسلطة الحكومة فالصحافة صناعة لن تنجح ما لم تقدم منتجا او خدمة او بعبارة ادق رسالة ذات جودة عالية والمستهلك او القارىء هو الذي يحكم على جودة الخدمة الصحفية وهكذا تتشابك الحلقات الثلاث لتحدد المعالم الاساسية لحرية الصحافة في المجتمع الغربي فالحكم النهائي هو القارىء الفرد. اشكالية الصحافة في العالم الاسلامي: يتصور البعض ان اسبقية الغرب في التعامل مع الصحافة ووسائل الاعلام وتكنولوجيا المعلومات يمثل مبررا لاستخدام ذات الوسائل بنفس الفلسفة والتوجه والتشريع والامر على هذا النحو غاية في الخطورة لان التفرقة يجب ان تظل قائمة بين تكنولوجيا الاتصال ومضمونها اي بين الاداة والهدف من استخدامها فالتكنولوجيا محايدة وعلينا ان نوظفها وان نتعامل معها بطرائقنا وفق فلسفاتنا واهدافنا الخاصة. وهنا اود الاشارة الى ما نادى به المفكر علي شريعتي حيث قال يجب على المفكر في المجتمع الاسلامي ان يفهم ان الروح الغالبة على ثقافته هي الروح الاسلامية وان الاسلام هو الذي صنع تاريخ مجتمعه واذا لم يدرك هذه الحقيقة كما فعل اغلب مفكرينا فسوف يسقط ضحية لجوه المصطنع المحدود ويرى شريعتي ضرورة الانتقال بالاسلام من مجرد التراث الحضاري الى ان يصبح واقعا نعيشه وتعبر عنه كافة مظاهر الحياة في المجتمعات الاسلامية ويعلن علي شريعتي ان على رأس اهتمامات المفكر الاسلامي المعاصر ضرورة تكثيف الجهود للبحث عن الطاقات الكامنة في الاسلام ونقلها من اللاوعي الى الوعي بعد ان يقوم بكشفها وتنقيتها. اسوق هذا الاستشهاد لان قضية حرية الصحافة في العالم الغربي ذات بعد واحد يدور حول الصراع الكامن بين السلطة والرأي العام والصحافيين في مجتمع انسلخ من التقيد بالرسالة السماوية وفكرة الدين واسبقية التشريع على وجود المجتمع. اما حرية الصحافة في عالمنا الاسلامي فهي ذات بعدين حيث يوجد ذات الصراع بين الدوائر الثلاث وان اتخذ اشكالا مختلفة بحكم اختلاف قوة كل من الاطراف الثلاثة في مواجهة الاخر الا ان البعد الاكثر حدة هو ما يتعلق بممفهومنا لحرية الصحافة ومسؤوليتها ودورها الذي استوردناه من الغرب دون امعان للنظر في ان هذا البعد هو اصل المشكلة وقد حدث هذا. اما عن قصد او عن جهل ودون ادراك لحقيقة فلسفة الصحافة ودورها في مجتمعين متناقضين. فالفرد هناك صاحب السلطة في تقرير حدود الحرية والمسؤولية والمحاسبة وبعبارة ادق فالقانون هو صناعة من داخل المجتمع دون اعتراف بأي قوى من خارجه, فرضاء المجتمع هو المقياس والمعيار لضبط حركة الصحافة الغربية. والامر بالنسبة لنا مختلف. فالصحافة في رأي الاسلام حرة لا قيد عليها الا ضمير الصحفي الذي يحترم مسؤولية الكلمة واثرها كما اقرها التشريع الاسلامي وهو يعمل ليس فقط لاشباع حاجة القارىء في المعرفة او لمراقبة الحاكم ولكن لارضاء الله سبحانه وتعالى. د. بسيوني حمادة