لا نظن ان الدور الجديد المقرر ان تطلع به وكالة المخابرات المركزية الامريكية في الاراضي الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية جاء عفو الخاطر, فليس في دنيا السياسة أو في علاقات الامم ومصالح الدول امور تأتي عفوا أو دون سابق ترصد واصرار كما يقول التعبير القانوني , ولا في القضايا الدولية خواطر أو مجاملات, ناهيك ان يصوروا التكليف الجديد المسند إلى المخابرات المركزية وكأنه مناط الحل السعيد الذي يوفق بين الرأسين الفلسطيني والاسرائيلي في علاقة اتفاق أو توافق من اجل (حلحلة) الاوضاع وتسيير عجلة الامور السلامية التي غرزت في رمال الشرق الاوسط الناعمة المخاتلة عاما أو يقل قليلا. هذا الدور المحسوب والذي نحسبه ان دور المخابرات المركزية محسوبا وكان مخططا ومقررا له أن يعلن ويذاع على كل الاطراف المعنية وحتى غير المعنية, ولكن في اطار اخراج متقن وحبكة درامية حاذقة من حيث الملابسات والتطورات والتوقيت, كيف لا وقد جاء بمثابة طوق الانقاذ في لحظة وصول عقدة الامور في (واي بلانتيشن) إلى ازمتها والذي نعرفه في هذا الخصوص, وهو ما كشفت عنه مؤخرا معلومات (نيويورك تايمز) نفسها ان المخابرات المركزية الامريكية كانت تقوم بهذا الدور, أو بما يماثله أو بما يقاربه على مدار السنوات الثلاث الاخيرة ولكنها كانت تؤديه بهدوء إلى ان جاء الاتفاق الموقع مؤخرا, وعلى حد تعبير الصحيفة الامريكية المذكورة لكي ينقل هذه الانشطة السرية من برودة الكتمان إلى حيث دفع بوكالة السي, آي ايه إلى القلب أو المركز من جهود السلام في الشرق الاوسط مما يجعلها من ثم مسؤولة عن رصد اخطر بنود الاتفاق والتحقق من تنفيذها. دلالة التعابير ومعنى المصطلحات ومن البديهي ان تكشف تعابير نيويورك تايمز, وتكشف سائر الادبيات الصحفية والسياسية الصادرة مؤخرا في هذا الشأن, عن المنظور الذي تطل منه واشنطن على ما يوصف منذ ايام المرحومين السادات ووزير خارجيته الاسبق اسماعيل فهي بانه (عملية السلام في الشرق الاوسط) وبصرف النظر عن اننا قد استدرجنا منذ اعقاب بهزيمة 67 إلى استخدام تعبير (الشرق الاوسط) بديلا عن تعبير الوطن العربي أو العالم العربي, وان استخدامنا لمصطلح (عملية) جارينا فيه النظرة الرأسمالية البرغمانية الامريكية في اعتبار كل تحرك سياسي وكل حركة شعبية وكل جهود وطنية هي عملية في الاساس وكأنها (مقاولة) أو (مناقصة) أو (صفقة) بصرف النظر عن هذا كله, فها هو المنظور الامريكي يقول ان واشنطن تطل على العملية أو القضية من زاوية (الارهاب) فيما تطل اسرائيل عليها من (زاوية) الامن بينما يطل عليها الجانب الفلسطيني, ومن ثم الجانب العروبي من زاوية تحرير الارض وحق تقرير المصير. نحو منظور اوسع من هنا, يجوز للمحلل السياسي ان يطل من جانبه على الدور المرتقب أو المنظور للمخابرات الامريكية في منطقتنا من منظور اعمق واوسع نطاقا وقد نحاول تلخيص زوايا أو ابعاد هذا المنظور في النقاط الموجزة التالية: ان المخابرات المركزية, وهي من المؤسسات الركائز في المجتمع والسياسة الامريكية باتت في حاجة إلى ادوار جديدة بعد زوال الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة, واندحار واندثار العدو الشيوعي التقليدي. في اطار هذه النظرة الداعية إلى التغيير احتدم الجدل حول ابعاد الدور الجديد في مرحلة ما بعد الحرب الباردة التي يمكن ان تلعبه الوكالة المركزية, وهي بالضرورة ابعاد متعددة في اطار التحول من عالم ثنائي القطبين إلى عالم القطب المهيمن الواحد وهو الولايات المتحدة. ان هذا الجدل لم يقتصر على اروقة الوكالة المركزية أو مسؤوليها أو عملائها المباشرين أو المحترفين, بل هو جدل فكري وسياسي وقد نضيف, وعلمي ايضا, وتلك نقطة تحسب للامريكيين الذين ينظرون إلى الوكالة المركزية, لا بوصفها رجسا من عمل الشيطان ولكن بوصفها مؤسسة وطنية تخدم المصالح الاستراتيجية والغايات القومية العليا لبلادهم وتضم بين صفوفها ــ إلى جانب عملائها المحترفين ــ فئات من العلماء والسياسيين والاكاديميين وكبار الاختصاصيين في فروع شتى. ان هذا الجدل الفكري ــ العلمي والسياسي سابق التأكيد على عملية السلام واتفاقات السلام الاخيرة بين الفلسطينيين والاسرائيليين يشهد بهذا ــ مثلا ــ الدراسة التي نشرها اثنان من العاملين السابقين لدى المخابرات الامريكية وهما (بروس بركوفيتش) الكاتب والخبير الاستشاري و(الان جودمان) عميد كلية الدبلوماسية في جامعة جورجتاون المرموقة (مجلة ناشونال انترست ــ عدد الربيع 1998), وقد ناقشت الدراسة موضوعا بعنوان له دلالته الواضحة وهو: منطق العمل السري في المستقبل. والواقع ان مصطلح (السري) بحاجة الى تدقيق باعتباره (حمال أوجه كما نقول ويخضع لتفسيرات متباينة, ولكنه من اهم اعمال وانشطة اي وكالة مخابرات... وقد تصدق السرية بالذات على عمليات التخطيط والتمويل وعلى هوية المخططين والممولين ولكن العمليات التي كانت تحمل صفة السرية ما لبثت ان اصبحت في حيز العلانية, فلم نظمت الوكالة المركزية عمليات شبه عسكرية ضد اعداء امريكا وجندت فيها اصدقاء (او عملاء) واشنطن كما حدث بالنسبة للكونترا في نيكاراجوا... وايا كان حظ مثل هذه العمليات من النجاح او الفشل فقد عرف بها العالم وتناقلتها وسائط الاعلام, ولكن ظل الجانب المستور فيها ــ غير المعلن رسميا هو دور الوكالة المركزية التي كانت مثل لاعب العرائس يكمن خلف الستار وقد لا يظهر للمتفرجين سوى اصابعه تحرك الدمى بخيوط تنقلها هنا او هناك. من الضغط السياسي الى (الانقلاب العسكري) وقل الشيء نفسه عن عمليات الدعاية المعادية تستتر خلف واجهات وطنية واسماء محلية وتشن حملاتها دون ان يذكر اسم الوكالة المركزية من قريب او بعيد وقله ايضا على عمليات الضغط السياسي والتأثير الاقتصادي وتجنيد السياسيين وبعضهم من كبار رجالات الدولة في بلادهم. ولقد يصل امر تلك الانشطة السرية الى حدود تدبير الانقلابات العسكرية ضد نظم الحكم المعادية لمصالح واشنطن فقد حاولوا الامر مع كاسترو وفشلوا في استخدام عملائهم الكوبيين في معارك خليجيي الخنازير في اول الستينات ثم حاولوه مع (سلفادور الليندي) رئيس شيلي في اول السبعينات ونجحوا في اغتيال الرجل واسقاط نظامه اليساري الوطني ومن ثم تنصيب عميلهم الجنرال (بينوشيه) ليفرض حكم الارهاب على بلاده عددا لا بأس به بل هو البأس كل البأس من السنين. توصيات اكاديمية للمخابرات والمهم ان صاحبي الدراسة التي اشرنا اليها لا يرفضان استمرار العمليات السرية التي تمارسها مخابرات بلادهم, بل يدعوان الى تطوير اساليب تلك العمليات كي تلائم دور امريكا الجديد بوصفها القوة العالمية الكبرى والوحيدة في العالم الراهن من جهة ثم من جهة اخرى لكي تدخل بها المخابرات المركزية الى ما يصفانه بأنه (عصر المعلومات الجديد وهو عصر بالغ التعقيد يشمل اولا تطور اساليب استقاء المعلومات ولا سيما بعد وصول الحاسوب الالكتروني (الكمبيوتر) والشبكات الدولية انترنت وشقيقاتها الى الميدان ويشمل ثانيا الدور المتعاظم لمؤسسات وتأثيرات القطاع الخاص في مجريات امور معظم الدول والكيانات العالمية على حساب الحكومات وقطاعاتها العامة. دعوة الى العلانية ثم ان الدراسة تدعو الى نقل هذا الحوار حول الادوار المرتقبة للمخابرات المركزية في الالفية الثالثة الوشيكة الى ساحة الاخذ والرد العامة على شاشات التلفاز وفي الصحف والدوريات السيارة بدلا من قصرها كما هو الحال الان على الدوائر السياسية الرفيعة او الممعنة التخصص, وبوصفهما من اهل الاكاديميا فهما يقصدان من علنية الحوار, وقومية المشاركة, ان تصبح الوكالة المركزية ــ كما نتصور ــ اكثر انضباطا واشد عرضة للمساءلة سواء امام الكونجرس او حتى امام الرأي العام. مدير الوكالة الطموح والذي نتصوره ايضا ان الوكالة المركزية اصبح على رأسها مدير طموح هو جورج تينيت يرفع شعار يقول في حسم. لن اجعل الوكالة المركزية تقنع بالمرتبة الثانية بحال من الاحوال. وفيما يبدو فالرجل قد استوعب السلبيات التي شابت على المؤسسة التي يديرها فضلا عن استيعابه للادوار الجديدة تماما التي يمكن ان تؤديها المؤسسة لا كمجرد مستودع للمعلومات ولا كدار مقاصة كما يقول التعبير الفني الاثير لتبادل المعلومات مع الوكالات الاخرى المناظرة الصديقة, وحتى غير الصديقة فكما لا يخفى عليك ـ للمعلومات سوق وبورصة تبادل دولية لها اعرافها واصولها واسعارها ايضا. وهاهي الوكالة المركزية تتطلع الى دور الراصد ودور المراقب لتنفيذ الاتفاقات الدولية فضلا عن دور التحكيم في مباراة تنافس اطراف تلك الاتفاقات. الدور الشرق اوسطي ورغم ان المتاح امام الوكالة المركزية, بموجب اتفاق 22 اكتوبر فرصة ذهبية سواء بالنسبة لمصالح امريكا في الشرق الاوسط, حتى ولو كان ذلك تحت ستار الحرب ضد الارهاب, فان هناك من اهل الصفقة من يتخوف من هذا التعرض الشديد من جانب الوكالة للاضواء الكاشفة المبهرة ما قد يعرضها في رأيهم لافكار غير محسوبة في يوم من الايام. اللاعبون يضربون الحكم على سبيل المثال يقول (دوف زاخايم وهو من كبار المسؤولين السابقين في البنتاجون سوف تقوم الوكالة المركزية بدور (الحكم) في المنطقة, فهل تدرون على من ينحون باللائمة اذا ما اضطربت الامور في الشرق الاوسط سيقولون الحق على الحكم) . من ناحية اخرى, يرى مسؤولو الوكالة كما يؤكد الكاتب الامريكي (ايريك شميت) لـ (نيويورك تايمز) عدد 24/10/1998 ــ ان الشرق الاوسط سيكون بمثابة حقل (تجارب أو بالأدق ساحة تدريب لعناصر الوكالة لمواجهة المواقف المستحيلة في المستقبل على نحو ما يعبر عنه (ديفيد بوريس) عضو الكونجرس الخبير في شؤون الاستخبارات الذي يرى من ناحيته أن مكاسب الوكالة في دورها الجديد بعد اعلانه بالامس القريب, سوف ترجح المخاطر التي يمكن ان تتعرض لها. بل انه يصل الى حد القول بأن الذين يتحفظون على أن تعلن المخابرات المركزية عن مهمتها المرتقبة في الشرق الاوسط انما يفكرون بعقلية الحرب الباردة التي وضعت اوزارها وتجاوزتها عجلة الزمن نحو مزيد من الأموال والغريب ان تتزامن المهمة الجديدة في الشرق الاوسط مع اتفاق البيت الابيض والكونجرس على قرار صدر يوم الخميس 22 أكتوبر بتزويد الوكالة بمبلغ اضافي غاية في السخاء (8.1 مليار دولار) لدعم ميزانيتها وتلبية لطلب مديرها الذي كان قد عرض أوضاع الوكالة المركزية منذ ابريل الماضي محذرا من أنها بحاجة ماسة الى المزيد من الأموال والمواهب البشرية لكي تكون بحق أداة لها أهميتها في خدمة المصالح القومية الحيوية للولايات المتحدة. هدية الى كلينتون والمخابرات واذا كان الاتفاق الفلسطيني قد جاء هدية من السماء لتلميع صورة الرئيس الامريكي كلينتون وقد لطخها بالامس القريب أو حال فضيحة ليونسكي اياها, فقد جاء الاتفاق أيضا لكي يقيل وكالة المخابرات المركزية من عثرات كثيرة صادفتها وتجسدت في انتقادات مريرة من جانب الكونجرس والحكومة ومؤسسات الإعلام بسبب ضروب من الفشل التي منيت بها في الاشهر الأخيرة ما بين خيبتها في التنبؤ بالتفجير النووي الهندي, او التحسب والتنبيه لأزمة الاقتصاد الطاحنة في جنوب شرقي آسيا, او في رص صفوف ما يسمى باسم المعارضة العراقية بهدف الإطاحة بصدام حسين.. وكان آخر الأزمات فشل الوكالةالمركزية في التكييف المقنع او المنطقي أو المعلوماتي لضرب مصنع بالصواريخ الامريكية في السودان. الفرار من حافة الكارثة والحاصل أن مدير الوكالة جورج تبنيت المعين في العام الماضي, عمد الى حركة التفاف رد بها على هذه الانتقادات على اساس أن وكالته تفتقر الى الاموال الكافية لانشطتها والى الكفاءات البشرية اللازمة للارتقاء بتلك الانشطة. وفي هذا السياق ينقل الصحفي الامريكي تيم وارنر عن مصدر مسؤول في المخابرات المركزية قوله: عندما تولى المدير الجديد منصبه كانت الوكالة عند حافة الكارثة.. أما الأموال التي حصلنا عليها مؤخرا فسوف يتجه معظمها الى استخدام مهارات وكفاءات جديدة,. وبالمناسبة.. فرغم ان الحديث كثر واستطال حول تخفيضات موازنات الاسلحة بعد انتهاء الحرب الباردة, فان الادوار المستحدثة لوكالة المخابرات المركزية في ظل بركات العولمة وهيمنة الأمركة, دع عنك ــ الدور الشرق أوسطي الجديد ــ كل هذا كفيل بأن يزيد ميزانية الوكالة المركزية الامريكية بنسبة 7% كي تصل ميزانيتها السنوية الاجمالية الى 29 مليار دولار بالتمام والكمال.