لا أعتقد ان الرئيس ياسر عرفات ومرافقيه يجهلون لعبة المصطلحات المغشوشة في المفاوضات بينهم وبين الجانب الاسرائيلي, فأبو عمار متمرس بالمراوغات الاسرائيلية منذ أربعين سنة ويعرف جيدا ان أحد أخطر المطبات الاسرائيلية المنصوبة في طريق السلام هو مطب الترويج لمصطلحات قديمة جديدة . تكتسب مع الزمن وطول الترديد والاستعمال حقها في الوجود وتصبح هي الأصح وهي المرجع .. وتنطلي تلك المصطلحات المغشوشة حتى على الاعلام العربي وحتى على خطب صانعي القرار, وهو في الحقيقة ضرب من ضروب الدهاء اليهودي لا نجد له مثيلا في الدبلوماسيات العالمية. ولنحاول تفكيك هذه الآلة الجهنمية لتسليط اضواء كاشفة على المصطلحات المغشوشة المروج لها في منتجع واي بلانتيشن: المصطلح الكبير هو مصطلح الأمن, والأمن في كل القواميس والموسوعات مفهوم ايجابي محمود, يتطلع اليه كل الناس وهو مطلب مشروع للشعوب, واستعماله من قبل بنيامين نتانياهو يبدو أمام الرأي العام العالمي استعمالا طيبا ولا غبار عليه, فما دام يطالب بالأمن لشعبه فلابد ان يكون زعيما وطنيا مخلصا للذين انتخبوه, لكن الحقيقة هي ان أمن الشعب الفلسطيني هو المهدد وليس أمن اسرائيل وذلك بكل المقاييس بداية من القوة العسكرية الى المواقع الاستراتيجية انتهاء بأربعة ملايين من فلسطينيي الشتات ما يزالون في الملاجئ وتحت الخيام وموزعين في أرض الله, ثم ان حجارة اطفال الانتفاضة أو بعض الاعمال الفدائية لا تشكل خطرا على شعب اسرائيلي هو نفسه محتل لارض شعب آخر ومنتهك لكل القوانين الدولية والمواثيق العالمية. المصطلح الثاني هو التصدي للارهاب وهو مصطلح كذلك يروج بالمقلوب, ويبدو لفظ الارهاب منافيا موضعه لانه يعني جماعات اصولية لكن الواقع هو أن المستعمرين (يقال لهم المستوطنين) اليهود مسلحون بالرشاشات وعددهم مليون يجوبون الشوارع ويقتلون ويروعون ويسدون الطرقات والمنافذ ولا ينتمون الى جيش أو حرس وطني. فماذا نسميهم؟ هل يطلق عليهم كذلك لقب (ارهابيين) أم عبارة مدافعين عن حياتهم؟, ثم بمنطق القانون الدولي فإن هؤلاء المستعمرين احتلوا أرضا فيها شعب ومن حق هذا الشعب أن يقاوم الاحتلال حسب ميثاق منظمة الأمم المتحدة, فأين يقع الارهاب إذن؟ ولو افترضنا ان ياسر عرفات سوف يطلق شرطته وراء حاملي السلاح بدون رخصة, فماذا سيفعل نتانياهو مع حاملي السلاح المرخصين؟ المصطلح الثالث المغشوش هو (دولة) فحكومة (نتانياهو - شارون) تتوعد الفلسطينيين اذا هم فكروا في انشاء دولتهم, كأن الدولة هي العدو الأكبر مع ان الحقيقة التاريخية البسيطة هي ان هذه الدولة الفلسطينية أعلنت يوم 29 نوفمبر 1947 بقرار من منظمة الأمم المتحدة يسمى قرار التقسيم .. وهي في نظر القانون الدولي كدولة اسرائيل ذاتها, فأي إلغاء دولة لفلسطين يلغي كذلك دولة اسرائيل وليدة نفس القرار الأسمى منذ خمسين عاما. المصطلح الرابع المغشوش هو (مدينة القدس) عاصمة أبدية وغير قابلة للتقسيم لاسرائيل وهذا المصطلح - الشعار يرفعه الاسرائيليون منذ اسحاق رابين الى نتانياهو مرورا بشيمون بيريز, وهو مصطلح - شعار مناقض تماما لروح المفاوضات المدريدية الأوسلوية التي نصت على الوصول لمرحلة الحلول النهائية ومنها قضية القدس الشريف, فهل نطلب من اسرائيل سحب هذا المصطلح - الشعار من لغتها مثلما تطالب هي بتعديل الميثاق الفلسطيني لأنه حسب رأيها يناقض روح مدريد وأوسلو؟ فهذا التأكيد على غلق باب الحوار حول القدس هو في الحقيقة ضرب بكل المسار السلمي عرض الحائط ولست أدري ما الذي قاله السيد عرفات لشريكه نتانياهو في هذا الصدد؟ فهل سكت عن الكلام المباح حين طلع الصباح يوم الجمعة الماضي أم حصل من أمريكا على (ضمانات) ؟ إن السلام يبقى مطلبا اساسيا للعرب جميعا وللمسلمين بصفة أشمل فهل هو كذلك بالنسبة لحكومة اسرائيل الحالية؟ أم ان الغاية الاستراتيجية الاسرائيلية البعيدة تبقي حدوث حرب أهلية فلسطينية على مساحة ضيقة من الأرض تكون كالقفص أو كحلبة الملاكمة يتقاتل فيها الاخوة وأبناء العمومة من بني فلسطين أصحاب الأرض وأصحاب الحق .. والعالم يتفرج على المدارج؟ لا قدر الله.