كلنا ندعي عداوة اليهود, ونعتبرهم التحدي الوجودي الأول بالنسبة لنا, وكلنا ندعي مقاطعة (اسرائيل) وبضائعها, ونعمل على مهاجمتها طوال الوقت, والعالم كله يحذر من ألاعيب اليهود ويكرههم منذ فجر البشرية ويرى فيهم سببا مباشرا لدمار المجتمعات وخراب الحضارة. ومع ذلك فنحن لا نحاور أحدا كما نتحاور معهم , ولا نشتري بضائع أفضل من البضائع (الاسرائيلية) من وجهة نظرنا!.. ان خضوع العالم لليهود يصل حد القرف والعبودية. نحن في الحقيقة لم نقاطع اليهود يوما, ولم نقرر بعد فيما اذا كنا متأكدين من وجود موقف حازم وحقيقي من (اسرائيل) , فما زال يظهر منا كل يوم من يعتقد ان التعامل والتعاون معهم هو الأسلوب (الحضاري) الأمثل لحل مشاكلنا العلمية والاقتصادية ولإحلال السلام ونسيان حقبة الحروب, ولا يدري المرء بأية عقلية يفكر هؤلاء, كما لم نعد متأكدين بأن العرب مازالوا يحتفظون بذاكرة سليمة حتى الآن. نلهث وراء بضائعهم في كل العواصم, ونسعى للحصول على جوائز المهرجانات التي يرعونها ويوزعون جوائزها, ونقرأ لليهود الذين يفوزون بجوائز نوبل ونبهر بهم, ونصنع هالات القداسة حول هاماتهم, نفضل فنادقهم في عواصم الغرب, ونقرأ الصحف التي يسيطرون عليها, ونشترك في شبكات (الكابل) التلفزيونية التي يديرونها, ربما نفعل ذلك بوعي وربما بجهل, ولكننا نفعله في النهاية. هل نحن متأكدون بأننا ضد اليهود فعلا؟.. وبأننا على قدر مسؤولية هذا الزعيق الذي نفتعله يوميا في إعلامنا بشأن موقفنا منهم؟.. اذا كان ذلك صحيحا فلنسأل أنفسنا (بشيء) من الصدق: ماذا تعني لنا زجاجة الكوكاكولا وشطيرة الهامبورجر وبنطلون الجينز...؟ هل صحيح انها مجرد منتجات كغيرها, واننا لم نرتب موقفا نفسيا منها في دواخلنا؟ أشك في ذلك. لقد أصبح الهامبورجر والكوكاكولا وملابس الجينز وبطاقات الائتمان وأفلام هوليوود ونجومها اللامعون و... مفردات الحياة اليومية لنا ولجميع سكان الكرة الأرضية, وسواء مارسناها بطريق الصدفة أو بثقافة الوعي أو بثقافة العبث والترف, فإننا لا نريد ان يحدثنا أحد عنها بسوء أو يحاول إبعادنا عنها, لأنها ببساطة تناسب مزاجنا, والحياة العملية التي نبحث عنها, كما تقدم لنا المتعة وشعور التحرر بأقل التكاليف فلماذا نكرهها أو نسمح لأحد ان (يتفلسف) بحقها؟ كل السلع التي ذكرناها صناعة يهودية مائة بالمائة وتملك حقوقها حول العالم أسماء يهودية صرفة, وتذهب أجزاء كبيرة من أرباحها والتي هي من جيوبنا وجيوب غيرنا لصالح (اسرائيل) , ومع ذلك فنحن مصرون على تعاطيها وكأننا نقوم بعملية فصل عقلية بين اليهود كأعداء متمترسين في منطقة معينة من وطننا, وبين اليهود الذين يقدمون لنا الخدمات سالفة الذكر. صدقوني نحن على علاقة جيدة مع اليهود, ونحن جزء من محيط عالمي ضخم يزيد في استثماراتهم وملايينهم وتحكمهم, ولا نستطيع ان نتخلص من شباكهم, فهل يمكن ان نقتنع بأن موقفنا من سلعهم قد يعني شيئا؟ من الأساس هل يمكن التفكير في موقف (متهور) كهذا؟؟ * هتافاتنا ضد (اسرائيل) جعجعة بلا طحين, لأن الطحن نسربه لهم, وتبقى الجعجعة تملأ فضاءنا وتصيبنا بالغثيان.