مشروع البورصة في الامارات, أي سوق للأوراق المالية, وتحديداً الأسهم, يظهر وكأنه مشروع وهمي, فهو تارة قيد الدرس والبحث وهو تارة على الرف وحائط النسيان, وهو مرات بإنتظار الموافقة النهائية عليه وهو مرات في الوقت نفسه مؤجل الى أجل غير مسمى , وهو حينا سوف يصدر في غضون شهور وقبل نهاية العام وهو حيناً آخر لن يصدر على الاطلاق. وهكذا فمشروع البورصة علمه عند رب العالمين وحده, حتى وهناك شبه إجماع رسمي وغير رسمي, على ضرورة وجود سوق للأوراق المالية, يستدعيه تطور إقتصاد البلد وتنامي الشركات المساهمة وزيادة أعداد المتعاملين في الأسهم وتوسع قاعدة المساهمين وزيادة مخاطر الوسطاء والمكاتب والسماسرة على السوق والمدخرات والإقتصاد كله, مما لانجد له أية مبررات قوية لتأجيل المشروع أو (تغييبه) أكثر من اللازم, وإن كانت هناك معارضات مفهومة ومخاوف نؤكد انها في محلها أيضاً. فالمخاوف والتحفظات على مشروع البورصة, هي مخاوف مساعدة وعوامل إضافية لسرعة إصدار المشروع لا لتأجيله, فهذه المخاوف تساعد على إيجاد أفضل صيغة ممكنة لما نريد ان يكون عليه سوق الأوراق المالية, ثم أنها مخاوف تساعد على سد الثغرات بسرعة وعلى وجه العجل عند بدء البورصة بالعمل وأولاً بأول, فنستطيع أن نحول المخاوف الى عامل إيجابي لاسلبي, والى عناصر تحفيز لا تثبيط, والى شروط للإجادة والنجاح لا تعجيز وإلغاء. ومع ذلك, فإنه ليس من مانع, طالما أن مشروع البورصة لن يرى النور قريباً ودخل في علم الغيب, من تنظيم ما هو موجود في سوق الأسهم من حركة بيع وشراء وتداولات, بحيث نضمن حقوق البائعين والشارين على السواء وسهولة التداول ومصداقيته, وبحيث نجنب المستثمرين والمتعاملين مخاطر بعينها كالمضاربات العشوائية ودخول أموال خارجية بهدف تحقيق أرباح سريعة ثم الهروب مرة أخرى الى الخارج, وغير ذلك من مخاطر كالتي طرأت كمثال واضح خلال شهور الصيف الساخنة. وعليه وفي هذا السياق نفسه نفهم قرار سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مؤخرا في إنشاء مركز للتداول والمقاصة بالشراكة بين دبي وأبوظبي, بحيث يتحول الى قاعة, إن لم يكن للتداول الكامل, فعلى الأقل لتسجيل نقل ملكية الأسهم آخر نهار المعاملات بين الاطراف المتعاملة حتى عن طريق وسطاء, وبشكل رسمي, وبحيث يجنب هذا الشكل من التسجيل الرسمي التعاملات الوهمية التي عادة ما تلعب دوراً في اضطراب السوق, اما برفع الأسعار وإما بخفضها. وبما أننا لم نعرف بعد تفاصيل هذا المركز, بأكثر من أنه يقوم بعملية المقاصة, فإن ثمة إجراءات أخرى عاجلة مطلوبة وسريعة, على الجهات المعنية أن تسارع فيها, أهمها ضرورة تحديد أسعار أسهم الشركات, لا على أساس آليات العرض والطلب وحده, مع أهمية هذا العامل, وإنما أيضا بناء على الأسعار الفعلية لهذه الاسهم القائمة على عناصر الربحية وريع السهم ومشاريع الشركة وتوزيعات الأرباح وقوة أداء الشركة, وهي العناصر الغائبة حالياً عن تقييم الأسعار, فتقوم الشائعات مقام الحقائق وتؤدي دورها في التلاعب بالاسعار. وعليه , فإن خطوة أخرى عاجلة مطلوبة من جهات الاختصاص كوزارة الاقتصاد وبدعم كامل من الحكومات المحلية, لكي تتكامل مع خطوة إنشاء مركز المقاصة, وهي إجبار الشركات على الاعلان عن نتائج ربع سنوية, فنكون بذلك قد خطونا فعلاً وعملياً الى طريق البورصة وصرنا قاب قوسين منها أو أدنى.