انتهيت منذ فترة من قراءة رواية(القرن الأول بعد بياتريس)للروائي(أمين معلوف)ومع أنني لا أميل إلى قراءة الروايات, حيث الرواية في مرحلة من مراحل العمر تعتبر وسيلة جيدة لاضاعة الوقت حسب تعبير عباس العقاد , إلا أن معلوف يدفعك دفعا لقراءة روايته بمتعة وترقب محترما عقلك ووقتك. في (القرن الأول بعد بياتريس) يتناول معلوف موضوعا حساسا يتعلق بالمرأة من زاوية جديرة بالمناقشة والاهتمام على المستوى الفكري والاجتماعي والإنساني بشكل عام, متخلصا من كلاسيكية الموضوعات المغرقة اما في الحداثة والرمزية واما في التكرار والترهل الذي تغرق فيه الرواية العربية والعالمية على السواء. يطرح معلوف في روايته رؤية جديدة تتفق مع نظرية المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما, والقائلة بضرورة تنامي دور النساء في التأثير على السياسات الداخلية والخارجية والدولية في مواجهة الهيمنة الذكورية التي تكرس العنف والحروب بسبب طبيعة الرجال العدوانية. خلاصة الرواية التي تدور احداثها في بلد أوروبي, ان هناك محاولات مضنية يبذلها عالم حشرات وزوجته الصحفية للتصدي لكارثة انسانية يسببها انتشار مادة معينة تعمل على تحديد جنس المولود بحيث يكون ذكرا, مما أطلق عليه معلوف التمييز الانتقائي لجنس المولود باجهاض ولادة الفتيات. يضعنا معلوف في روايته أمام (حقيقة) أن التمييز لصالح الرجل ضد المرأة تراث عالمي موجود في كل الحضارات القديمة والحديثة, لكن الجدير بالتوقف هو أنه جعل هذا الدواء او المادة تأتي كالطوفان من بلدان الشرق لتدمر الحضارة الغربية وتبيد الانسانية, حيث للشرق مناخه وتراثه المعروفان فيما يتعلق بامتيازات الذكورة وقداستها. أما أن ابتلاءات الغرب وأزمات الحضارة تهب كالطوفان من مدارات الشرق فهذا ما لا استطيع تمريره على عقلي, وإذا كان صحيحا أن وراء كل عظيم امرأة, فوراء أغلب مصائبنا وتقهقرنا وتأخرنا عالم يتحدد شمالا اسمه الغرب, مازال حتى اليوم مصرا على ابقائنا في الدرجة الثالثة ومعاملتنا معاملة ركاب الدرجة الثالثة. وأما موقف الشرق من المرأة فمعروف, ويمكن النظر اليه على أنه تراث متوارث تكرسه المرأة احيانا ضد نفسها نتيجة لتربية معينة ولغسيل دماغ منظم تتعرض له منذ الميلاد, يجذر فيها نظرة التفوق للرجل, في ظل ثقافة معينة وتعليم متدن, ووعي سياسي مفتقد, واعلام يُغيب الحقائق او يقدمها مشوهة, وموقف سياسي غائب على مستوى القيادات. أمين معلوف يقف في روايته, ومن خلال بطل وبطلة الرواية, موقفا حازما ضد حبوب تحديد الجنس لصالح الذكورة, مناديا بأنوثة العالم من خلال علاقة البطل بابنته (بياتريس), حيث يحارب البطلان على جميع الجبهات ويشرحان المآزق والمصائب والكوارث التي يتعرض لها العالم جراء هذا الاجهاض التمييزي لولادات البنات من خلال تعاطي تلك المادة اللعينة. معلوف يشرح حالة الفوضى والعنف والغليان التي سادت المدن التي بدأت تظهر فيها نتائج تعاطي المادة بزيادة الذكور على الإناث, مايعني أن الحضارة لا يمكن أن تستمر والحياة لا يمكن ان تستقيم بدون المرأة. تذكرت عندها مقولة أحد زعماء الثورة الإيرانية (المرأة ليست نصف المجتمع, أنها المجتمع كله).