في زيارة خاطفة للعبد لله الى مستشفى لندن كلينيك بشارع هارلي الشهير بلندن, اعترض طريقي عسكري انجليزي طول بعرض من عينة الشاويش الشهير عطية , وسألني: إلى أين؟ ولم يسمح لي بالمرور الا بعد ان ذكرت له اسم المريض ورقم الحجرة, وبعد ان اطمأن الى انني لست من رعايا دولة شيلي, وانني من بلد يبعد عشرات الآلاف من الكيلو مترات عن قارة أمريكا الجنوبية, واصر الشاويش عطية الانجليزي على مرافقتي الى حيث الحجرة التي أقصدها, وحكى لي الدكتور فايز بطرس انه عندما ذهب للكشف على أحد مرضاه في المستشفى نفسه, فوجئت بالعساكر الانجليز يحاصرونه لحظة خروجه من المصعد, فمن سوء حظ الدكتور فايز ان مريضه العربي كان يرقد في الحجرة المجاورة للحجرة التي يحتلها جناب المارشال بينوشيه رئيس الجمهورية الشيلية السابق وهو مارشال من نوع المارشال علي بتاع سيدنا الحسين, المهم بعد ان تأكدوا من شخصية الدكتور فايز سمحوا له بدخول حجرة مريضه, وهذا الحصار الشديد مفروض على جميع المترددين على مستشفى لندن كلينيك, وخصوصا الذين تبدو على سحنتهم أنهم من الجنس اللاتيني, ولما كان العرب وسكان البحر الأبيض المتوسط على وجه الخصوص شديدي الشبه بأهل أمريكا اللاتينية, فقد أصبحوا هدفا لرجال البوليس الانجليزي الذين لاتفوت من جنبهم نملة على رأي بيرم التونسي رحمه الله, والسر وراء هذه الاجراءات البريطانية هو وجود المارشال بينوشيه رئيس شيلي السابق تحت الاعتقال في المستشفى, جاء بسلامته الى لندن لاجراء عملية جراحية, فاكتشف ان طلبا أسبانيا سبقه يطلب القبض عليه لمحاكمته على ارتكابه جرائم قتل وتعذيب مواطنين أسبان عندما كان الحاكم الآمر في شيلي, وهذا المارشال .. وهو بالمناسبة مثيل المارشال على بتاع سيدنا الحسين, مارشال لم يحارب سوى معركة واحدة في حياته وكانت ضد شعبه, في البداية قاد الدبابات والمصفحات والطائرات في انقلاب عسكري دموي ضد الحكومة المنتخبة بقيادة الزعيم اللندي, وتمكن المارشال العظيم من قتل الرئيس اللندي تحت أنقاض قصره, ثم رفع عصا المارشالية ووضع على كتفه جميع المقصات وجميع النسور وجميع النجوم وقاد بلاده خلال 17 عاما طويلة, لم يذق فيها شعب شيلي طعم الراحة أو الاستقرار, عشرات الألوف منهم دخلوا السجون وعشرات الألوف اضطروا الى الخروج خارج بلادهم, وعدة آلاف تمت تصفيتهم وقضوا نحبهم في ظروف تعيسة وتم دفنهم في قبور مجهولة, بينما كان المارشال يعيش في أمان وطمأنينة, مارشال شأنه شأن ايزنهاور ومونتجمري وروميل, مع انه لم يدخل معركة في حياته الا مرة واحدة ضد شعبه الاعزل. ولم يقتل احداً الا المواطنين المأسورين في سجونه, هذا الرجل وامثاله يستحق المحاكمة ويستحق الحكم عليه بالاعدام. وكان يجب محاكمة موبوتو واعدامه أيضاً.. ليس موبوتو وحده ولكن هناك عشرات من الجنرالات والمارشالات من امثال بينوشيه وموبوتو يستحقون المحاكمة والاعدام وتعليق جثثهم على اعواد الشجر لكي يأكل منها الطير الجارح, عشرة آلاف شاب ورجل اختفوا في عهده لا يعرف احد كيف اختفوا ولا اين ذهبوا؟ كان يكفي تقرير يرفعه مخبر بوليس يتهم فيه احد المواطنين بأنه شيوعي أو ديمقراطي او معادي للنظام أو غير متعاون لكي يختفي المواطن السىىء الحظ من الوجود. انها محنة حقيقية ان يتولى السلطة المطلقة في بلد من البلاد رجل جبان لأن هذه النوعية من الحكام الذين يسلكون سلوك بينوشيه هم بالضرورة جبناء, فهو حريص على سحق اي مشتبه في أمره, ولو كان معارضا له بالقلب او باللسان أما الحاكم الشجاع فهو الذي يتسع صدره للجميع, ومن حسن الحظ أن المارشال بينوشيه وقع في الفخ الذي نصبه له الأسبان في بريطانيا, وبريطانيا ليس فيها حكومة من النوع الذي يأمر رئيسها برفع الحصار عن السفاح المارشال ووضعه معززا مكرما في طائرة تنقله الى بلاده, لأن الأمر ليس في يد الحكومة البريطانية ولكنه في يد القضاء البريطاني, وفي بريطانيا لا الملكة ولا الحكومة ولا مجلس الشعب ولا مجلس اللوردات يستطيع ان يتدخل في أعمال محكمة ويمبلي أو ويمبلدون, فما بالك بالمحكمة العليا. والأمر الآن في يد المحكمة العليا فإما أن تسلمه لأسبانيا لتحاكمه على الجرائم التي ارتكبها اثناء وجوده في السلطة, واما تأمر بالافراج عنه وطرده من بريطانيا, والعبد لله يتمنى على الله أن تأمر المحكمة بتسليمه إلى أسبانيا, فلو رأيتم المئات من المتظاهرين الغاضبين المحتشدين أمام مستشفى لندن كلينيك في لندن, فيهم انجليز من أنصار الديمقراطية وسياح من أنصار الفرجة ومواطنون من شيلي يحملون صور أقاربهم من ضحايا الدكتاتور, أغلبهم طلبة في العشرينات من أعمارهم, ودفنهم المارشال أحياء بلا محاكمة وبلا ذنب, واذا كانت البشرية ترغب حقا في الحياة تحت ظل نظام عالمي جديد فلتكن البداية هي محاكمة المارشال العجوز الذي أقام عرشه على جماجم معارضيه, وعاث لياليه الحمراء يتلذذ بشرب دمائهم, واعدام بينوشيه لن يشفي غليل أحد, فهو رجل ميت تجاوز الثمانين ولكن لعل اعدامه يكون درسا لجميع البينوشيهات الجدد, السادة الذين يعلقون النياشين على صدورهم والنسور على أكتافهم ويمشون مشية الأوزة على جثث ضحاياهم من الغلابة والمنكسرين, وهم للأسف الشديد منتشرون كالوباء في آسيا وافريقيا وبلاد أمريكا اللاتينية, زرت أحد هؤلاء الجنرالات في بلد افريقي تعيس, رأيت بعيني رأسي بعض أفراد شعبه يأكلون قطع حجارة من نوع الحجر الجيري ــ وكان هذا عشاءهم في تلك الليلة وفي كل ليلة, ورأيت بعيني رأسي عشرات من المساجين المقيدين بالسلاسل يعملون داخل غابة متوحشة حفاة وشبه عراة والكرابيج في يد الحراس تلهب ظهورهم, لم يرتكبوا أية جريمة ولم يكن لهم أي ذنب سوى أنهم من قبيلة على خلاف مع قبيلة الجنرال الحاكم. وكان عشاء في بيت الجنرال ضم العشرات من رجال المجتمع وسيداته, وكان الجنرال يرتدي الزي العسكري ويحمل عصا المارشالية, وكان العشاء من لحم النسانيس ولحم الدجاج البري, وأذكر أن أحد الصحفيين الخواجات طبعا سأل سيادة المارشال عن الأحوال الاقتصادية فأجابه ضاحكا: كما ترى .. الكل سعيد ومطمئن, ثم زغر للصحفي اياه وسأله بحدة: هل ترى شيئاً آخر؟ وبالطبع نفى الصحفي أنه يرى أي شيء آخر! فقد كان العشاء شهيا الى الدرجة التي تجعل الانسان عاجزا عن رؤية أي شيء آخر!! أغرب شيء بالنسبة للمارشال بينوشيه ان كل جيرانه بالمستشفى وبعضهم من العرب أكدوا ان المارشال الرهيب أظهر جبنا ليس له نظير بعد ان سحبوا خط التليفون من حجرته ونقلوا جهاز التلفزيون وتحولت حجرة المستشفى الى زنزانة, أخذ يدق على باب الحجرة ويتبادل الأحاديث مع حراسه العساكر, يا سبحان الله, تنازل المارشال العظيم الذي كان يتكلم من قفاه, ويعطس فيقول له سفيره في الهند (يرحمكم الله) يا رب .. أتمم فضلك علينا, ونشاهد بينوشيه في السجن الأسباني, ليكون عبرة للآخرين, الذين يضعون الأوسمة على الصدور والنسور على الأكتاف, ويضعون السيوف في أجساد مواطنيهم .. يارب!