في نهاية المطاف ومن حيث المبدأ ليس هناك قيمة لأي اتفاق لا ينفذ, فمهما كان هذا الاتفاق جيدا ومصاغا بعناية, الا انه لن يساوي قيمة الحبر الذي كتب به طالما ظل مجرد اتفاق فالعبرة هي دائما في التنفيذ . واذا كان هذا القول ينطبق على جميع الاتفاقات, فانه ينطبق على الاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي الاخير من باب اولى. اولا, لان التجربة برهنت حتى الان على ان الوصول إلى اتفاق مع اسرائيل ليس كافيا في حد ذاته ولا يمثل سوى نصف الشوط. اما النصف الثاني والاهم فهو قيام الحكومة الاسرائيلية بالايفاء بالتزاماتها. وثانيا, ان الحديث هنا يدور عن مرحلة انتقالية وليس نهائية, وبالتالي فان الوصول إلى اتفاقات وتنفيذها بأمانة وجدية سوف يعطي مؤشرا ايجابيا للحكم على النوايا والسياسات. وهو امر مهم في حالة العلاقة الشائكة والمعقدة بين العرب والاسرائيليين, والتاريخ الطويل من الحروب والعنف. مع ذلك فان هذا لا يقلل من اهمية اتفاق واي بلانتيشن, ولا يعطي معارضيه ومنتقديه اية حجة أو ميزة اضافية. فالواقع ــ وهذا كلام اعتبره صائبا تماما ــ ان عودة أي أرض فلسطينية إلى الحكم الفلسطيني, هو مكسب بغض النظر عن باقي الاعتبارات الاخرى. وفي الاتفاق الاخير ثمة اراض سوف تعود إلى الفلسطينيين (1% من المنطقة ج إلى أ, و14.2% من المنطقة ب إلى أ) أي حوالي 15% سوف تصبح تحت الحكم الفلسطيني الكامل. في حين سوف تنتقل اراض اخرى (12%) من سيطرة الاحتلال الاسرائيلي إلى الادارة المشتركة. وهكذا سيصل مجموع الاراضي التي ستنتقل إلى السلطة الفلسطينية بشكل أو بآخر إلى حوالي اربعين بالمائة من مساحة الضفة. صحيح ان السلطة الفلسطينية اضطرت في مقابل ذلك إلى تقديم (تنازلات) مهمة. لكن لو دققنا النظر في هذه (التنازلات) لوجدنا انها تعتبر في نهاية الامر من باب تحصيل الحاصل, او على الاقل هي من النوع الذي لا مفر منه. فالعمليات الفدائية التي اصرت اسرائيل على منعها ومطاردة القائمين عليها والتنسيق الامني في ذلك. هذه العمليات لم تكن لتسمح بها السلطة الفلسطينية نفسها في أي حال من الأحوال, وحتى بدون اتفاق مع اسرائيل. فالوجود المسلح لعناصر حماس او الجهاد في غزة او الضفة يتنافى اساسا مع وجود السلطة, بما هي سلطة وحيدة مخولة حماية الامن والنظام في هذه المناطق. ومن ثم فان القضاء على هذه الازدواجية هو جزء من عملية استقرار وبقاء السلطة وتاليا بناء الدولة الفلسطينية. والمسألة الاخرى ذات الصلة ايضا بهذا الموضوع, هي انه طالما ان القيادة الفلسطينية هي شريك في عملية سياسية سلمية مع اسرائيل, وما يترتب على ذلك من التزامات وعلاقات ومفاوضات, فانها لا يمكن ان تسمح بأي تخريب لهذه العملية من نوع النشاطات التي تقوم بها المعارضة المسلحة. وهو ما حدث أيضا مع كل من مصر والاردن وسوريا, التي تلتزم بعدم السماح لأي كائن بمهاجمة اسرائيل انطلاقا من اراضيها... في اطار التزامات وقعتها مع الدولة العبرية. الاختلاف الوحيد هنا ربما في مصير العناصر التي تقوم بتنفيذ العمليات الانتحارية والتفجيرات. فهل سيجري تسليمهم الى اسرائيل ام الاحتفاظ بهم لدى السلطة الفلسطينية. واعتقد ان الوفد الفلسطيني لاتفاق واي بلانتيشن رفض الموافقة على الخيار الأول, وذلك لسبب موضوعي يتعلق بمكانة واستقلال السلطة نفسها, وعدم السماح لاسرائيل بالتدخل في الشؤون الفلسطينية الداخلية. وهناك جوانب اخرى ايجابية شملها الاتفاق مثل الميناء والمرفأ الفلسطينيين والموافقة الضمنية على وقف الاستيطان اليهودي. وهي امور كلها تعزز الموقف الفلسطيني في مفاوضات التسوية النهائية, وتجعله يرى ضوءا في نهاية نفق عملية السلام. لكن رغم ذلك وكما ذكرنا سيظل مصير هذا الاتفاق مرهونا بالتنفيذ, وهو الاهم. اما من ناحية المبدأ فلا يوجد ما يمنع من الترحيب به والأمل بأن يكون خطوة على طريق التسوية النهائية والدائمة, ليس فقط بين الفلسطينيين والاسرائيليين, وانما بين هؤلاء الاخيرين وباقي العرب. كاتب وصحافي بحريني*