لم يكن تعيين ارييل شارون على رأس الدبلوماسية الاسرائيلية مفاجأة او امرا غريبا على الاوساط السياسية المهتمة بشؤون وشجون الكيان الصهيوني ودولة فلسطين . فنتانياهو مهّد للموضوع وكشف عن عدة مؤشرات كانت ترشح المتشدد والمتطرف والعنيد شارون لرئاسة الدبلوماسية الاسرائيلية. تعيين شارون جاء في وقت كان رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو بحاجة لمن يقف الى جانبه في مواجهة المعارضة الداخلية والرأي العام المحلي والدولي للتلاعب ببنود اتفاقية اوسلو خاصة وان موعد مايو 1999م على الابواب لتطبيق ما اتفق عليه. شارون عارض اتفاقية اوسلو جملة وتفصيلا وهو الذي جزم قاطعا انه لا يصافح ياسر عرفات وهو الذي تفنن في صبرا وشاتيلا في قتل آلاف المدنيين العزل الابرياء وهو الذي لعب دورا استراتيجيا في بناء العديد من المستوطنات ونهب الكثير من اراضي الفلاحين الفلسطينيين الابرياء. ان تعيين شارون على رأس الخارجية الاسرائيلية يدخل في اطار استراتيجية نتانياهو للخروج من بنود اتفاقية اوسلو وللتخلص من المعارضة الداخلية التي ترفض طريقة نتانياهو في تسيير شؤون الكيان الاسرائيلي والتي تريد الاطاحة بحكومته في أقرب الآجال. فحضور شارون قمة (واي بلانتيشن) سيكون على حساب عملية السلام وعلى حساب مفاوضات جادة وعملية. هدف نتانياهو هو دفع اقل وارخص ثمن ممكن مقابل السلام في الشرق الاوسط. وهنا بطبيعة الحال يلتقي كل من نتانياهو وشارون في الاستراتيجية والهدف. حيث ان نتانياهو كان يحاول دائما وابدا اعادة قراءة وكتابة بنود اتفاقية اوسلو حيث كان يؤكد دائما على ان الاتفاقية تضر بأمن ومصالح اسرائيل, ومن جهته انتقد شارون مرارا وتكرارا ومنذ 1993م اتفاقية اوسلو. وزير الخارجية الاسرائيلي الجديد ارييل شارون ـ والذي يمكن ان يلقب بالمقاييس المعترف بها دوليا انه مجرم حرب ـ وصف اتفاقية اوسلو بـ(الخطأ الكبير, الخطأ الاخلاقي, والخطأ العملي) . وبهذا اذا فان تعيين شارون على رأس خارجية اسرائيل لم يتم بهدف دفع عملية السلام الى الامام ولا بهدف تطبيق بنود اتفاقية اوسلو ولا من اجل تحقيق السلام الذي يرضي جميع الاطراف في الشرق الاوسط. وبعد خمس عشرة سنة في الخفاء وفي الظل يرجع شارون الى الواجهة والمجد, ويرجع هذه المرة بقوة لانه يتفق مع مسؤوله المباشر نتانياهو في الاستراتيجية وفي الاهداف. فبعد ان ابعد سنة 1983 من منصب وزير الدفاع وهذا لوحشية اعماله ولمسؤوليته الكبيرة في مجزرة صبرا وشاتيلا يعود شارون هذه المرة ويؤكد انه يعمل جاهدا على مساعدة (انجاح سياسة اسرائيل من اجل السلام كما يعمل على الحفاظ على المصالح الامنية والوطنية لاسرائيل) وهذا يعني عدم التنازل عن شبر واحد من الاراضي المغتصبة ومن المستوطنات التي سلبت وسرقت من مئات الالاف من الفلسطينيين الابرياء. وحسب صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين فإن كلا من نتانياهو وشارون متفقان ويعملان جاهدان على استبعاد اية مفاوضات خاصة بشأن القدس واللاجئين الفلسطينيين وكذلك الفلسطينيين الذين يعيشون داخل الاراضي المحتلة. كما يعمل شارون جاهدا على استبعاد اية تنازلات اسرائيلية اخرى بشأن الضفة الغربية وغزة. تعيين شارون وزيرا للخارجية الاسرائيلية في هذه المرحلة جاء ليدعم ويحقق استراتيجية نتانياهو على مختلف الاصعدة: فشارون مطالب بحماية حكومة نتانياهو من الجماعات الدينية المتطرفة من المعارضة التي قد تسحب الثقة من نتانياهو وحكومته. هذه الجماعات عارضت ومازالت تعارض اية خطوة ايجابية نحو تدعيم عملية السلام مع الفلسطينيين, كما انها عارضت انسحاب القوات الاسرائيلية من الضفة الغربية وغزة وهددت بالاطاحة بحكومة نتانياهو في حالة ما اذا استسلم للضغوط الامريكية والفلسطينينة. شارون اذا يصر على عدم الانسحاب عن اكثر من 9% من الاراضي وعن التخلي نهائىا عن المرحلة الثالثة من الانسحاب. ان تعيين شارون على رأس الخارجية الاسرائيلية يعتبر تمديدا لاستمرار نتانياهو في الحكم ولاستمرار عناده وعدائه المرير للفلسطينيين وللعرب ولكل ما يتعلق باتفاقية أوسلو. وثمن هذا الموقف سيكون لا محال انعدام الاستقرار والعنف في المنطقة وانتشار العمليات الفدائية. وهكذا فإن مباحثات واي بلانتيشن ستكون حلقة اخرى من حلقات المفاوضات الفاشلة بين الفلسطينيين والاسرائيليين وخاصة فشل الفلسطينيين في الحصول على ما تم الاتفاق عليه في اوسلو. فنية نتانياهو كانت سيئة منذ البداية وان تحديد الشروط التسعة التعجيزية وكذلك تعيين شارون كوزير للخارجية كان الهدف منه هو اجهاض اية عملية تقدم في تجسيد اتفاقية اوسلو في ارض الواقع. شارون العدو اللدود للعرب ولكل ما هو فلسطيني معروف بمواقفه اليمينية المتطرفة ورفضه المطلق للانسحاب من 13% من الضفة الغربية, شارون تم تعيينه ليعزز المواقف المتطرفة من عملية السلام وليكون درعا واقية لنتانياهو لمواجهة تهديدات اليمين المتطرف للاطاحة بحكومته وكذلك لضمان الانضباط داخل الليكود. وهكذا وأمام غطرسة شارون سيظهر نتانياهو من الآن فصاعدا امام الرأي العام المحلي والعالمي انسانا متوازنا ومعتدلا. اسرائيل اذا لا تنوي المضي قدما في تجسيد بنود اتفاقية اوسلو حيث انها ترفض السماح للفلسطينيين بفتح مطار وميناء في قطاع غزة, كما لا تزال اسرائيل تحتجز حوالي ثلاثة آلاف معتقل فلسطيني. اما الامور الاخرى العالقة فتتمثل في الوضع النهائي للاراضي الفلسطينية المحتلة, مستقبل المستوطنات اليهودية والقدس واللاجئين الفلسطينيين. لم يبق سوى ستة شهور على مايو 1999 تاريخ اعلان الدولة الفلسطينية والثنائي نتانياهو ــ شارون مصران على التمسك والتشبث بوجهات نظر تتناقض جملة وتفصيلا مع اتفاقية اوسلو ومنطق السلام العادل والدائم, وهذا يعني ان الامر سيكون في بالغ الخطورة. فمنطقيا لا يستطيع عرفات تقديم اي تنازلات اخرى والشارع الفلسطيني طال انتظاره وصبره والجانب المتطرف الاسرائيلي لا يرى الا مصالحه, وهذا قد يؤدي الى انفجار الشارع الفلسطيني وتصاعد اعمال العنف والتخريب الامر الذي سيكون في غير صالح جميع الاطراف بالمنطقة. السؤال الذي يطرح نفسه هل يستطيع بيل كلينتون والدبلوماسية الامريكية ان تضغط على الثنائي الخطير نتانياهو ــ شارون للتحلي بالمرونة للمضي قدما في تجسيد بنود اتفاقية اوسلو. المؤشرات تقول ان نتانياهو يظهر في موقع اكثر قوة وصلابة من الرئيس الامريكي الذي مازال يعاني من فضائحه الجنسية مع مونيكا وغيرها, واللوبي الصهيوني في الكونجرس يمتلك كل الاوراق الرابحة لصالحه وخاصة وان الانتخابات على الابواب وكلينتون والديمقراطيين بحاجة ماسة الى اي صوت واي دعم في هذه المرحلة بالذات وخاصة ذلك الدعم الذي يأتي من الجماعات الضاغطة الصهيونية. قمة ميريلاند اذا ما هي الا حلقة الفشل في المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية وما هي الا تأكيد اخر لغطرسة الثنائي نتانياهو ــ شارون. شارون اذا عبر تاريخه الحافل بالمجازر والمذابح والمواقف العدوانية من كل ماهو فلسطيني وعربي مصر على الاستمرار في مشروع تهويد فلسطين, ومسح الى الابد الهوية الفلسطينية من كل ما تحمله من تاريخ وحضارة وتقاليد وعادات, كما تشتمل خطة شارون في مسح فلسطين من الخارطة الجغرافية في توطين اللاجئين الفلسطينيين في مختلف انحاء الوطن العربي, اضافة الى كل هذا فشارون يهدف كذلك الى انشاء سوق شرق اوسطية تسيطر عليها اسرائيل وتصبح هي الفاعل الحقيقي في المنطقة سواء اقتصاديا او تكنولوجيا او عسكريا او استراتيجيا. المصير اذا غامض وعقارب الساعة رجعت الى الوراء والتاريخ يبدو انه يعيد نفسه, وما ينتظر المنطقة هو مزيد من انعدام الاستقرار وسيادة جو مكهرب ومشحون بالتوترات والكوارث التي لم يفكر في يوما ما الاسرائيليون في حلها وانما اهتموا دائما بتأجيلها, فالخديعة تنكشف يوما بعد يوم وليست هذه المرة الاولى التي ينخدع فيها العرب, مجيء شارون على رأس الدبلوماسية الاسرائيلية يؤكد نهاية التسوية ونهاية التقارب في الاطروحات ووجهات النظر وتبخر الاماني والآمال, والاخطر من كل هذا وذاك هو ان اسرائيل فيها مئات بل آلاف من امثال شارون, ولذلك لا يجب علينا نحن العرب ان نحلم بانقراض شارون او ذهابه وانتظار سياسيين معتدلين وانما يجب ان نسعى لمواجهة امثال هؤلاء السفاكين المجرمين ولايفل الحديد الا الحديد.