ايهود شفرنسكي, الكاتب الإسرائيلي علوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس, قضى معظم السنة الماضية في الولايات المتحدة لدراسة السياسة الايرانية وحقيقة خطرها النووي على اسرائيل في أواخر شهر سبتمبر المنصرم , نشر في صحيفة (هاآرتس) العبرية خلاصة لهذه الدراسة, بمناسبة إطلاق ايران لصاروخها البالستي (شهاب 3) , وما أثاره هذا الاطلاق من ضجة أمريكية واسرائيلية ساهمت فيها جميع وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية. فهل صحيح أن اسرائيل معرضة لخطر نووي إيراني, أم ان الضجة الاسرائيلية ــ الامريكية هي محاولة لاستغلال هذا (الخطر) لخدمة أهداف ومصالح مختلفة؟ هذا ما شغل الكاتب الاسرائيلي به نفسه, وليته كان بين كتابنا واساتذتنا العرب من شغل نفسه بهذا السؤال بنفس هذه الجدية, ليطلع المواطن على حقائق مايجري حوله ليميز بالتالي بين ماهو حق وماهو باطل, ماهو صحيح وما هو كاذب. يقول شفرنسكي إن غالبية الناس في اسرائيل تخاف من التهديد الايراني وتتابع بقلق كبير خطة التسلح الاستراتيجية للجيش الايراني, وان التقدير الجدي لهذا الخوف ليس من صنع حكومة نتانياهو وحسب, لأن العديد من زعماء المعارضة يشاركون في هذا الشعور منذ أيام اسحق رابين حتى يوم أمس عندما وقف عضو الكنيست افرايم سنيه من حزب العمل ودعا الحكومة الى ضربة مسبقة ضد إيران على غرار ضربة مفاعل تموز العراقي التي أمر بها مناحيم بيجن. فهل هذا صحيح؟ هل صحيح ان اسرائيل هي الهدف الأساسي لمشروع التسليح الإيراني؟ يعود شفرنسكي لطرح هذه الاسئلة, ليقول بعد ذلك: (إن حجة الباحثين ورجال السياسة الذين تحدثت معهم بسيطة ومنطقية, وهي انه قد تكون إيران آيات الله بالفعل دولة معادية لاسرائيل من الزاوية الدينية والايديولوجية, ولكن دولة اسرائيل بعيدة جدا من ان تشكل بالنسبة لإيران خطراً استراتيجياً أو هدفا محتملا لمبادرة هجومية, أو ان تكون سببا اساسيا لسعي ايران للتزود بالسلاح التقليدي وغير التقليدي. ففي سلم أولويات اهتمام الايرانيين وقلقهم, تحتل اسرائيل المركز الخامس او السادس بعد العراق وطالبان والقوات الامريكية في دول الخليج والجمهوريات الاسلامية في الاتحاد السوفييتي السابق. ويشارك شفرنسكي عدد من الباحثين الاستراتيجيين, من امثال ادوارد لوكفيك وانطون كوردسمان وجيفري كامب الاعتقاد بان التطلع الجيو ــ استراتيجي الاساسي لايران انما هو العودة الى ما كانت عليه ايام الشاه, اي قوة اقليمية ذات تأثير ونفوذ في تطور اسيا والخليج, لانه ليس بامكان احد التحول الى دولة اقليمية عظمى في تلك المنطقة من دون سلاح متطور ووسائل لاطلاق صواريخ بعيدة المدى, خصوصا وان الذكريات المؤلمة للهجوم بالصواريخ العراقية لاتزال حية في الاذهان. ويضيف شفرنسكي انه ليس هناك من سبب يدعو ايران الى توجيه صواريخ نحو اسرائيل او الى انزال ضربة مسبقة على تل ابيب بالاضافة الى ان الايرانيين يعترفون بان التفوق الاسرائيلي عليهم بالسلاح غير التقليدي وبالصواريخ كبير, وانه من غير المجدي لهم, ولعشرين سنة قادمة على الاقل, ان يفكروا بضربة غير تقليدية مسبقة ضد اسرائيل, ولذلك فان الصلة بين خطة التسلح الايرانية واسرائيل هي صلة دفاعية ردعية, اي ان الرسالة التي يريد الايرانيون ايصالها الى تل ابيب هي ان الهجوم المباشر على طهران كرد محتمل على هجمات (ارهابية) برعاية الولايات المتحدة, لن يبقى من دون رد. وبعد ان يسهب شفرنسكي في شرح الاوضاع الداخلية في ايران وتراجع الثورة فيها لصالح الدولة وانشغالها في همومها على الحدود الافغانية ومستقبل مصالحها مع دول اسيا الوسطى, يستنتج ان الوضع جيد بالنسبة لاسرائيل, ويعود للتساؤل عن اسباب هذا الخوف الذي يشعر به الاسرائيليون حتى يصل الى ان التفسير الوحيد لهذه الظاهرة هو مزيج من نظرية سياسية ــ استراتيجية خاطئة, واعتبارات سياسية شعبوية ومصالح مؤسسة امنية ترفض تقليص موازناتها الضخمة. اما بالنسبلة للنظرية الخاطئة, يقول شفرنسكي, انه بعد عشرين عاما على الثورة في طهران فإن المؤسسة الاسرائيلية مازالت عاجزة عن التمييز بين الخطاب الاسلامي الحاد والمخططات العسكرية الفعلية فالحكم الاسرائيلي على ايران يعتمد على شعاراتها وليس على نواياها واعمالها, والدليل على ذلك افتقار الجهات الاستخباراتية الاسرائيلية الرفيعة المستوى لاي رد ايجابي يؤكد وجود علاقة بين خطط التسلح الايراني والقيام بعملية ضد اسرائيل. اما من الناحية السياسية الشعبوية, فإن شفرنسكي يؤكد انه ما كان بوسع نظرية التهديد الاستراتيجي ان تصمد لولا وجود مصالح سياسية وامنية كثيرة وراءها, ان هذا الموضوع تحول من جانب السياسيين الكبار كأداة عملية رخيصة من اجل تعبئة الجمهور الاسرائيلي وجني الثمار السياسية لذلك ولاشك ان جهل هذا الجمهور بحقائق الوضع في ايران, ساهم في ترويج نظرية الرعب المطروحة خصوصا وان الهوية الاسرائيلية المعاصرة نشأت على ضرورة الحضور الدائم لفكرة التهديد, الذي ان غاب, سيخلق أزمة انتماء وهوية. ومن هنا, لا يوجد في اسرائيل شخصيات سياسية قادرة على التنازل عن صورة الوحش الضاري في طهران! ولا يقدم هذا التهديد مكاسب سياسية داخلية فقط, لأن كل من يعتاشون من هذا (الوحش) ونظرية (التهديد الدائم) لهم حصتهم كذلك, وفي مقدمة هؤلاء (ايباك) ــ اللوبي اليهودي الامريكي ــ الذي لم يبق له بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتوقيع الصلح مع مصر والاردن والفلسطينيين, من (فزاعة) يجمع من حولها الجالية اليهودية غير البعبع الايراني, وهو في ذلك يلتقي مع اركان الحزب الجمهوري, وأركان الصناعة الحربية الذين يحتاجون كذلك لمثل هذه الذريعة لترويج ما في مستودعاتهم أو تمويل ما يطمحون اليه من مشاريع جديدة. اما ثالث المستفيدين من هذا التهويل بالصواريخ الايرانية فهو جهاز الأمن الاسرائيلي,لأن من شأن (شهادته) التأثير على عملية التسليح داخل الجيش الاسرائيلي. ويقول شفرنسكي حول هذه: (انه في الخلاف القائم داخل الصناعة العسكرية في اسرائيل, تسيطر الأصوات المطالبة بتحضير الجيش الاسرائيلي اليوم للرد الكامل ضد التهديد الايراني الذري والصاروخي) . ومعنى ذلك, استثمارات سنوية تبلغ مئات الملايين من الدولارات, ومئات الوظائف والدبابات, وعقود انتاج سمينة, وبيروقراطية ضخمة!! كان ذلك موقف الرقاصة الاسرائيلية, فماذا عن موقف الطبال الأمريكي؟!! بينما كان المجتمع الدولي مشدودا لما يجري في كوسوفو للمسلمين الألبان, أو لمسرحية (واي بلانتيشن) لدفع عملية التسوية بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية, أو آخر أخبار التهديدات التركية لسوريا, كان وليام كوهين, وزير الدفاع الأمريكي, يدق طبول التهديدات العسكرية للعراق, ويبرر عدوان بلاده على كل من السودان وأفغانستان و.... وأهم من هذا كله يغري دول الخليج بضرورة الاسهام في تمويل مشاريع جديدة لمنظومات دفاعية تكون قادرة على ردع التهديد الايراني وخطط طهران الاستراتيجية بعد تطويرها لصناعة الصواريخ البالستية. ولم يسبق لأي مسؤول أمريكي ان كشف عن حقيقة النوايا الامريكية, كما فعل كوهين هذا, الذي بدأ في جولته الأخيرة كوكيل لتجارة الاسلحة المتطورة أكثر منه كوزير للدفاع. فهو لم يكتف بالتواجد العسكري الأمريكي الثقيل في تلك المنطقة وادلائه بتصريحاته من فوق حاملة الطائرات الأمريكية (يو.اس.اس ابراهام لنكولن) ومن القاعدة العسكرية الأمريكية في البحرين, وراح يدعو دول الخليج الى المزيد من دفع ضريبة الابتزاز, طورا بحجة الدفاع عنها ضد العراق, وطورا ضد الصواريخ الايرانية. ولم يبال كوهين بالتجاهل الخليجي لتهويلاته وذلك لعدم شعورها بأي تهديدات ايرانية, وراح يوالي تصريحاته بتكرار ممجوج لا يتقنه الا (السماسرة) ومروجو السلع, بهدف خلق توتر مفتعل ضد المناخ الايجابي الذي يسود بين الدول الاسلامية في تلك المنطقة, والتي أبدت السعودية حرصا شديدا على بقائه كذلك, ولذلك لم يكن صدفة ان نسمع تلك التصريحات التي صدرت عن ولي العهد الامير عبدالله وهو في شرقي الكرة الارضية لافهام الولايات المتحدة ان مايخشى منه العرب هو ليس ايران وانما اسرائيل التي لم تقدر بعد قيمة الفرصة المتاحة لها لاقامة سلام مع الدول العربية قبل ان تنتفض الامة لتعلن عن رفضها هذا المسار بأسره. ان ما لا يمكن ان تدركه الاحتكارات الصناعية, ولاسيما العسكرية منها, ان لهذه التجارة حدودا سياسية لابد من مراعاتها, وان الابتزاز الذي مارسته الولايات المتحدة منذ نهاية حرب الخليج الثانية لم يعد مقبولا لدول الخليج بمن فيها حكامها ناهيك عن الاحتقان الكامن لدى شعوب هذه الدول ومعها جماهير الامة العربية كلها. لقد كان يتمنى الخليجيون ان يسمعوا من وزير الدفاع الامريكي غير ماقاله من لغة السمسرة وعقد الصفقات الخيالية السعر, كانوا يتمنون ان يسمعوا منه كلاما حول عزم الولايات المتحدة على حظر الاسلحة غير التقليدية في المنطقة بدءا من اسرائيل وصولا الى طهران او غيرها. كانوا يتمنون ان يسمعوا كلاما عن ضرورة وضع حد لعذاب الشعب العراقي ووقف عملية التدمير المنهجية لاحد اهم اقطار هذه الامة, ولكنهم بدلا من ذلك, سمعوا كلاما جعلهم يضعون اياديهم على محافظهم حرصا على ماتبقى فيها من مال مستقرض من حصص الاجياب الخليجية والعربية القادمة. ان صاروخ شهاب الايراني, مثله مثل القنبلة التي القاها فلسطيني يائس في بئر السبع, ليسا سوى ذرائع تستهدف خدمة ذلك المزيج الذي اشار اليه شفرنسكي, من نظرة سياسية ـ استراتيجية خاطئة واعتبارات سياسية شعبوية, ومصالح مؤسسات امنية عسكرية تريد المزيد من النهب.. لا في اسرائيل وحدها, بل وفي الولايات المتحدة قبلها. ولذلك كانت هذه الضجة, من الرقاصة الاسرائيلية والطبال الامريكي.