بوضوح شديد, أعلى سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم, لا من قيمة العمل فحسب, بل من قيمة الابداع في العمل أيضا, بوصفه التطوير والابتكار والخلق , في حديثه أول أمس عقب افتتاح برنامج (العناية هي الغاية) فخاطب العاملين في المؤسسات والدوائر وكل المواقع محذرا إياهم (بأن عليهم أن يبدعوا في عملهم ليظلوا في المركز الأول) , وبطبيعة الحال لتظل دوائرهم ومؤسساتهم التي يقودونها في مراكز متقدمة, وبالتالي لتظل الدولة في هذه المراكز المتطورة من الجودة والخدمات التي عرفت عنها حتى الآن, ولا مجال للتراجع. طبعا هناك من يعمل باخلاص وبجد وتفاني, وهذا يستحق الشكر والتقدير والاحترام بلا أدنى شك, غير أن هناك في الوقت نفسه من يعمل بجد ولكن من دون إبداع, ومن يعمل باخلاص ولكن من دون تطوير, ومن يعمل بتفانِ الى حد المشقة ولكن من دون خلق ولا ابتكار, فتلك حدوده من القدرات الادارية والكفاءة الشخصية والموهبة على التجديد, وهذا مطلوب قطعا لكل عمل في كل موقع,غير أنه لا يصلح بالمنطق السليم للادارة ولقيادة العمل ولمسؤولية التطوير, فلكل ذلك مواصفات اخرى على رأسها الابداع. وعليه فنفهم أن تحذير سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم موجها لهذه الفئة القيادية من العاملين والموظفين أكثر من غيرهم حيث خاطبهم (بأن من لم يجد في نفسه الكفاءة والقدرة على الإبداع وتحمل المسؤولية, فعليه ان يترك موقعه لغيره وأن يفسح المجال لمن هو أكفأ منه) , في كلمات محددة صريحة واضحة كشعاع الشمس. وبما أن التقاعس عدو العمل الأول, والروتين مرض التطوير والابتكار, والاحباط قاتل الإبداع الصامت, فإنه لم يفت سموه التحذير من هذه الآفات الادارية والنفسية معا, حين رفع شعار (لا مكان للمتقاعسين في مجتمعنا) وحين أكد على حقيقة أن (التراجع ليس من شيمنا) وحين أضاف ان توفير كل الامكانيات المادية والمعنوية هدفه (استمرار مسيرة البناء الحضاري بكل اتجاهاتها دون تردد أو تراجع وبعيدا عن الروتين الذي يحبط روح الابداع والتقدم في النفس البشرية) , مما لا يحتاج الى مزيد من التأكيد والشرح والتوضيح, فالكتاب يقرأ من عنوانه, وكلمات سموه عنوان كتاب العمل والخلق والتطوير. ونعرف أن قواعد العمل هذه ومبادىء التطوير والتحديث المستمر, صارت سمة من سمات حياتنا المعاصرة وصارت نهجا يسير عليه مسؤولونا ويحثون موظفيهم على اتباعه, ولذلك فقد أصبح لدينا من تراكم التجربة والخبرة ما جعل من بعض دوائرنا ومؤسساتنا المحلية والاتحادية على السواء, سباقة نحو التجويد والتجديد, حتى استطاعت هذه في غضون سنوات قليلة, بعضها من سنوات عمر الدولة وأقل, أن تحقق مستوى راقيا في التنظيم والادارة وفي جودة الخدمات وفعاليتها وفي خدمة الجمهور بأقل قدر ممكن من هدر الوقت والجهد, وهو ما ينبغي الحفاظ عليه وعدم التراجع عنه والزيادة عليه, مما نلمسه من قلق في كلمات سمو الشيخ محمد بن راشد أولا عبر التأكيد على ان التطوير ليس هدفا فحسب, وإنما طريقة ونهج حياة لنا في دولة الامارات, وثانيا حين أكد على عدم التراجع عما وصلنا اليه. وعلى ذلك, فإن الدوائر والمؤسسات التي حققت بعض طموحات المسؤولين في التطور المستمر وجودة الخدمات ورقي الادارة, يقع عليها عبء مضاعف لأن عليها لا الحفاظ على هذا المستوى فقط, وإنما دفعه الى الأمام الى مزيد من الابداع والتحليق في آفاق متطلبات عالم الغد, وذلك بمزيد من العمل الشاق المبدع والمبتكر, معا, فيما على الدوائر والمؤسسات التي لاتزال (محلك سر) ويكاد الزمن يتخطاها والتخلف ينيخ بكلكله عليها, من التي يضج الجمهور والناس بالشكوى منها, وهي على العموم معروفة للجميع, ان تصحو من النوم في العسل, فهذا يكاد اليوم ينفد, وأول الطريق الى صحوتها هو ان يعترف القائمون عليها بعدم الكفاءة والقدرة وبانتهاء صلاحيتهم, فتلك كانت كلمة السر العلنية لسمو الشيخ محمد في وضوحه الشديد.. أليس كذلك؟