الأخطاء التي ترتكب في حق الوطن كثيرة, والذين يرتكبونها بشر غير أسوياء اطلاقا, اما لأنهم لا يمتون للوطن بصلة, واما لأنهم اغتالوا مراكز الاحساس في ذواتهم ليخطئوا في حق الوطن بدم بارد . هذا النوع من الاخطاء لا يبرر بالضعف الانساني, لان الذي يتورط فيه يدمنه, فيظل الخطأ يتبع صاحبه ويتمدد في كل مكان يتواجد فيه, انه النتاج الاكثر بشاعة في تاريخ الانسان, وحين يصبح ايذاء الوطن هوية, يصبح البحث عن مخرج انقاذا للوطن وليس للحمقى ابدا. يوم نتحدث عن الوطن لا نزايد على انتمائنا, وحين ننادي بكشف الاخطاء وتحديها, فنحن لا نتحدى الوطن ولا نعاقبه, نحن نتحدى الحماقة ونقاتل الخطأ, ونزداد تعلقا بالوطن. وليس منا مواطن واحد لا يعتقد بأن أول خطأ نرتكبه في حق الوطن هو الا نحبه, واول دلائل عدم الحب هو النظر اليه على أنه وظيفة وراتب وتذاكر سفر وهواتف نقالة ومنازل فخمة. الوطن ليس وكالة توظيف أبدا, وليس فندقا بخمس نجوم, ولذلك نحزن كثيرا حينما يلعن البعض الوطن لان اناسا يسكنون منازل جميلة وهم لا يملكون, او يصبون جام غضبهم على الوطن لان رواتبهم لا تتناسب مع متطلباتهم, أو لان الجمال فيه لا يتساوى مع جمال البلاد البعيدة أو.... تسير بك (العَبرة) مخترقة قلب الخور فتشعر بأنك تخترق قلب الوطن, تلتفت في كل الاتجاهات تبحث عنه, تريد أن تزداد التصاقا به, تبحث عن جزيئاته الحقيقية التي بعثرها الغاز والبترول وركام القادمين من كل المرافىء, تركض خلف الحقيقة تريد أن تمسكها قبل أن تتلاشى في زحام الشوارع, وعلى اسفلت الموانىء وفي انفاق المشاة ودكاكين البائعين الغرباء لكنك تشعر بأن الزمن يسرق منك الوطن بلا هوادة وبشراسة وبأنك بحاجة الى أحذية من ريح كي تسابقه, وتعتقد بأنك لن تقدر. وتساءلت كثيرا كيف يتأسس الوطن في داخلنا, ولماذا نحبه وهو ليس اكثر من تراب وهواء ومجموعة منازل وحارات موجودة في كل مكان في العالم, وحفنة من البشر يتسربون من أنفسهم قبل ان يتعرفوا عليه ويحبونه, تساءلت فجاءت الاجابة بحجم الوطن. نحن لا نتعلم حب الوطن في المدارس فهذه لم تعلم الطلاب كيف يحبونها, ولا في دروس التربية الوطنية وكتب التاريخ فهذه ترسم الوطن بشعا لا روح فيه, ولا في وسائل الاعلام, فهذه لا تعرف من الوطن سوى حفلات الاستقبال والمراكز التجارية, وكرنفالات الرقص والغناء والوطن ليس ذلك كله. اتعبونا وهم يلقنوننا حب الوطن على أنه طبق من طعام, وزجاجة مشروبات غازية ونشيد لم نعرف كيف نقنع طلابنا بضرورة ترديده فصرنا نعاقبهم بدل أن نعاقب السادة المربين والمربيات. نحن نتعلم حب الوطن في مرحلة الغيب وما قبل الميلاد ثم نولد به, وننمو فيه ومعه, هذا الحب الذي نولد به يصير وشما غجريا يتوحش كل ما فينا اذا ما مس وجه الوطن أذى, أو حاول أحد أن ينال منه ولو بكلمة. وسواء أكان وطني على حق أم على خطأ, فإنه يبقى وطني, وعليّ أن أحبه.