صار العماد اميل لحود رئيساً منتخباً للجمهورية باجماع النواب الذين حضروا جلسة الانتخاب, ووسط تأييد شعبي بلغ ذروته في الايام القليلة الماضية . هذا الاجماع او شبه الاجماع النيابي, وهذا التأييد الشعبي الكاسح, يشكلان ظاهرة سياسية ايجابية من دون شك, مما يعطي العهد الجديد قوة اندفاع او انطلاق لم تتوافر للعديد من العهود السابقة, لا سيما عهد سلفه الرئيس الياس الهراوي, هذه الظاهرة تعكس رغبة لبنانية عامة في التغيير.. غير انه تحت هذا العنوان الكبير: التغيير, ثمة تضارب بين فئة واخرى في تأييد الرئيس العماد لحود, اي ان الترحيب بالرئيس لحود لا يقوم على اسباب واحدة عند الجميع. من هنا, فان النقاش ضروري في كل ذلك, في دلالاته, وفيما سيكون على العهد الجديد مواجهته فعلاً. أوجه الترحيب التعددي بلحود الامل عند معظم اللبنانيين بأن يكون عهد لحود عهد تغيير, مبني على اساس ان الرئيس العماد نظيف الكف, نزيه ومتجرد, اي ان اللبنانيين يطمحون الى ان يكون العهد المقبل على صورته ومثاله, وان ينجح ــ مع الحكم ــ في بناء الدولة (النظيفة) بكلام آخر, ان في هذا الامل عند اللبنانيين تغليباً لمقياس (اخلاقي) هو مهم من دون شك, لكنه لا يمعن النظر في التعقيدات السياسية التي تحيط بالتوجه الاصلاحي المعلن للرئيس العماد. .. واذا ما وضعنا هذا العنوان العام جانباً, في مرحلة النقاش هذه, ماذا نجد؟ الترحيب المسيحي بالعماد لحود له سبب (او اسباب) المسيحيون باركوا انتخابه, على اساس انه جسر عودتهم بقوة الى المعادلة وعلى اساس ان يتوسع تمثيلهم ويتعزز في مؤسسات النظام, وفي سبيل ان يتوقف ما اسموه الخلل في التوازن سابقاً, الترحيب الاسلامي بالعماد لحود له سبب آخر (او اسباب اخرى) فالعماد لحود, الرئيس القوي, هو ضمانة عدم العودة الى الامتيازات السابقة, وهي مسألة جرى تحريكها قبل مدة الترحيب اللاطائفي بالرئيس العماد له سبب (او اسباب) فهو الرجل الذي بنى مؤسسة عسكرية مختلطة فوق الطوائف, والامل عند هذه الفئة بأن ينجح العماد في بناء الدولة فوق الطوائف, مدعوماً من كتلة مختلطة.. الترحيب العام بالرئيس العماد, لا يخفي اذاً تضارب الاعتبارات, لا نقصد هنا بالطبع ان نقول ان هناك مشكلة في تعدد الاعتبارات او ان يكون الترحيب بالرئيس الجديد تعددياً, بل ان قصدنا هو الاشارة الى ان هناك تأييداً عابراً للطوائف, لكن هذا التأييد العابر للطوائف لا يعكس وحدة وطنية متبلورة, ذلك ان هذا التأييد العابر للطوائف متعاكس بالفعل مع الواقع الطائفي ــ المذهبي في المجتمع, وهو واقع اكتسب قدراً من الرسوخ خلال السنوات الماضية. ماذا نستنتج؟ نستنتج ان ظاهرة التأييد العابر للطوائف للعماد الرئيس بالغة الاهمية اذ تسلح رئيس العهد بقوة انطلاق كبرى, لكننا نلفت في حديثنا عن تعدد الاعتبارات الذي يعكس انقساما طائفياً في المجتمع, الى ان هناك عقبة ــ اجتماعية ــ تتمثل في تطيف المجتمع وتمذهبه على نطاق واسع. والى ذلك نضيف ان تعدد الاعتبارات في تأييد الرئيس العماد لحود, يتغذى هو نفسه من واقع ان الرئيس لحود لم يحدد حتى الآن مشروعه الا بكلام عام ورد في كلمته الاولى الى اللبنانيين بعد انتخابه الاسبوع الفائت, هذه الكلمة الاولى تضمنت ملامح عامة لوجهة اصلاحية: اقامة دولة المؤسسات, وبمقاييس سياسية معينة, فان هذا الهدف (ثوري) الى حد كبير. وعلى كل حال, فمن المنتظر ان يقوم الرئيس المنتخب في الفترة الفاصلة عن تسلمه مهماته الدستورية رسمياً في الرابع والعشرين من تشرين الثاني المقبل, ببلورة افكاره ومشروعه, بحيث لا نعود امام نص عام. عوامل القوة.. والمعركة المطلوبة راحت السكرة وجاءت الفكرة اذاً, كما يقال. ينطلق الرئيس العماد لحود اذاً من عوامل قوة عدة, مؤهلاته هي عامل القوة الاول, التأييد الشعبي المتعدد الاعتبارات هو عامل القوة الثاني, غياب اية معارضة (جاهزة) له هو عامل القوة الثالث, الدعم السوري لولادة صيغة حاكمة متماسكة في لبنان هو عامل القوة الرابع. لا يستهان اذن بعوامل القوة هذه. ولكن فلننظر قليلاً الى العقبات التي يمكن ان تواجه العهد الجديد, في محاولة لتعيين اتجاهات مواجهتها. التأييد الشعبي المتعدد الاعتبارات, هو كما قلنا تأييدا متناقضا, مما لا يحق معه بالمطلق اسقاط احتمال ان يواجه العهد تجاذبات طائفية مصدرها (المجتمع) , ولذا قلنا ان هذا التأييد حمال اوجه. ونقطة قوة الرئيس العماد انه ــ كما يقال ــ لا يتطلع الى حصة له في مؤسسات النظام والدولة, والامر ــ كما يقال ايضاً ــ محسوم لديه رفضاً للترويكا. هو يرفض الترويكا لحيثيات دستورية ابرزها ان هناك رئيسا واحداً للدولة وليس هناك رؤساء للدولة, ويرفضها لان الترويكا عنوان المحاصصة وصراع المحاصصة, من المنتظر اذن في عهد الرئيس العماد لحود ان تنتهي الترويكا وان يصار الى تأكيد مبدأ فصل السلطات. غير ان المحاصصة لا تفترض ان يرفضها لحود لوحده, بل لا بد ان تنتهي عند الجميع.. وبهذا المعنى ان عقلية المحاصصة التي يتقنها عدد لا بأس به من اركان الطوائف وممثليها ما زالت فخاً منصوباً امام كل توجه اصلاحي, وتتغذى هذه العقلية من (المد) الطائفي ــ المذهبي في المجتمع تكراراً. فيما ينتظر اذاً مع بداية عهد الرئيس العماد ان ينطلق التوجه الاصلاحي بقوة, وفيما يرتكز العهد الى عوامل قوة, من المنطقي الاشارة سلفاً الى عقبة رئيسية تواجهه عقلية المحاصصة في ظل الاجتماع الطائفي ــ المذهبي. يبدو اذاً ان المحك الاول, او الامتحان الاول, سيكون الحكومة الاولى في العهد المقبل. الحكومة هذه لا بد ان تكون بعيدة عن عقلية المحاصصة بما هي في وجه من وجوهها محاولة البعض اختزال طوائفهم, حكومة تراعي قواعد الوفاق الوطني, لكنها حكومة نظيفة تضم وجوها داعمة للاصلاح ومؤهلة لقيادة عملية اصلاح الدولة وتركيز مؤسساتها. حكومة منسجمة تجسيداً لانسجام السلطة التنفيذية بحيث يمكن ان تحاسب في المجلس النيابي على برنامجها وتنفيذها لهذا البرنامج. ان حكومة من هذا القبيل تستطيع ان تفتح ملف الاصلاح في الادارة اولاً على قاعدة الوفاق الوطني لكن على قاعدة الكفاءة والنزاهة والنظافة, وعلينا هنا ان نشير ان الرئيس رفيق الحريري مثل خلال السنوات الماضية مشروعاً نهضوياً تحديثياً ذا ابعاد اصلاحية, لكنه ووجه بالعقبات المعروفة, لذلك فان تعاون الرئيسين لحود والحريري على اساس اصلاحي سيعطي قوة للتوجه الاصلاحي في البلد. نقول اذاً ان الحكومة الاولى في العهد الجديد, تشكل محكاً, ومع ذلك لا نستطيع الا ان نفترض ان على العهد والحكومة ان يخوضا معركة شرسة ضد لون من السياسيين, لان الاصلاح ليس معركة سهلة.. معركة لا مجال فيها لمساومات على الجوهر, قد يحصل اضطرار بطبيعة الحال الى تسويات جزئية احياناً في انتظار نضوج اكبر للظروف, لكن الاصلاح معركة مفتوحة.. نعيه نحن على هذا الاساس. وعندما نقول ان الاصلاح الهادف الى اقامة دولة المؤسسات والقانون, مع عشرات الخطوط تحت كلمة القانون, ان هو الا معركة مفتوحة.. فان المغزى, العميق لذلك هو ان هذه المعركة يجب ان تستنفر قوى تساعد التوجه الاصلاحي في انطلاقته وتحميه. لذلك فان وضوح الخطاب او النص الاصلاحي وطابعه الصراعي, هو ما يستنفر قوى مؤيدة, من متنوري الطوائف الى اللاطائفيين بكلام آخر, ان ثمة فرصة تاريخية سانحة لقيام التيار اللبناني المختلط المؤمن بمشروع الدولة والملتزم به, هي فرصة لقيام هذا التيار على مشروع اصلاحي يدعمه تفاهم الرئيسين لحود والحريري في (القمة) بمعنى ثان, ان التأييد الذي حظي به الرئيس العماد, سيمر بمرحلة فرز لاحقة لا تشكل اضعافاً له, بل ستمنحه تياراً متماسكاً. وعندنا في التاريخ اللبناني الحديث, تجربة الشهابية, لقد خاضت الشهابية محاولتها الاصلاحية بسياسيين تقليديين ضد سياسيين تقليديين آخرين, فانتهت الى مهادنتهم جميعاً. وهي لم تستنفر قوى التحديث.. فتراجعت, ان هذه العبرة يجب ان تكون ماثلة في الاذهان في هذه المرحلة. وهنا لا بد من الاطلالة على نقطة مفصلية.. تراها كذلك فعلاً, عندما نقول ان الاصلاح لا يتحقق بالضربة القاضية مرة واحدة والى الابد, وعندما نقول ان الاصلاح معركة مفتوحة يجب ان تستنفر قوى حداثية ــ اصلاحية تتوسع باطراد, فاننا نعير اهتماماً كبيراً للديمقراطية السياسية, تطوير الديمقراطية السياسية, هو الذي يؤدي الى (انتاج) قوى جديدة, نخبة سياسية جديدة, طبقة سياسية جديدة تساهم في قيادة البلد الى الالفية الثالثة. والى الديمقراطية السياسية نضيف مسألة اخرى, عندما نركز على تعاون ثنائي الرئيسين لحود والحريري, فانما ننطلق من الاعتقاد بأنهما يكملان بعضهما او انهما يستطيعان ان يكملا بعضهما.. اي انهما يتناغمان في اطار مشروع اعماري ــ تنموي ــ اجتماعي ــ تحديثي, اصلاحي, عموده الفقري الدولة, السير بهذا المشروع ضروري جداً.. وقد بدا خلال السنوات الماضية ان بعضا من جوانبه غير شعبي, صحيح ان هذا المشروع لم يأخذ فرصته في ظل ما واجه من عقبات.. لكن المقصود قوله اليوم انه سيكون على الرئيس لحود ان يواجه احتمال تناقص الشعبية. على ان الامور لا تحسب بمدى (شعبويتها) فقط, بل بمدى ملاءمتها لحاجات البلد وتطوره. ومع ذلك, فان هناك ما يمكن وما يجب عمله في الشأن الاجتماعي من الانماء المتوازن للمناطق, الى التقويمات الاجتماعية, الى تطوير واصلاح اوضاع الضمان, الى تعزيز الصناعة والزراعة.. اي ان المطلوب بلورة تسوية اجتماعية بالحوار بين اطراف الانتاج من جهة والدولة من جهة اخرى. الديمقراطية السياسية والتسوية الاجتماعية, عاملان لا بد منهما لتعزيز تيار الضغط من اجل الاصلاح بعنوانه الاكبر قيام دولة القانون والمؤسسات, التسوية الاجتماعية لتأمين الحد اللازم من الاستقرار الاجتماعي حتى لا تكون الازمة الاجتماعية عاملاً متفجراً في وجه مسيرة الاصلاح. والديمقراطية السياسية في سبيل حياة سياسية متجددة, تمكن من فرز النخبة السياسية الحديثة. يبدو لنا اذاً, ان ثمة حاجة ملحة الى قانون ديمقراطي جديد للانتخابات النيابية بحيث يأتي المجلس النيابي المقبل اكثر تمثيلاً ويتيح تشكيل كتل سياسية.. وثمة حاجة الى قانون ديمقراطي للاحزاب, وقانون ديمقراطي للنقابات بعد حوار مع المعنيين, ذلك ان الغاية هي بناء قاعدة الاصلاح في مجتمع مدني حقيقي. وبهذا نقول ان الاصلاح عملية متكاملة ومعركة مفتوحة من فوق في النظام السياسي, ومن تحت في المجتمع المدني.. والامل ان تكون السنوات المقبلة سنوات انبثاق هذا المجتمع على رافعة كتل سياسية ــ اجتماعية حديثة. حاولنا على امتداد ما تقدم ان نقول ان انتخاب العماد اميل لحود فاتحة مرحلة جديدة, لا نوافق من يقول ان مجرد وصوله الى الرئاسة حسم امر الاصلاح, وسعينا للبرهنة على ان المبالغات تضر ولا تفيد, وهي مشاريع احباطات سياسية لا مبرر لها, سعينا للقول ان امامنا معركة, هي نفسها فرصة للتقدم الى الامام وحاولنا ان نعين عدداً من الشروط التي لا بد من توافرها. .... وختاماً, قد نبالغ.. لكنها مبالغة مقصود منها التحفيز على استناح الفرصة (التاريخية) يبدو ان هذه فرصة (اخيرة) لا بد ان تنجح والا يكون البلد مقبلاً على اوضاع سلبية ... تعاون لحود ــ الحريري ضروري , لكن جميع اللبنانيين مدعوون الى تشكيل السياج الواقي. الدستور سيطبق.. لكن الامر ابعد من الدستور, يتعلق دينامية تطور لا بد منها في النهاية!