هل أتاك حديث الطريق الثالث, ان لم يكن قد أتاك فابحث عنه فهو حديث صحيح, في السياسة والاقتصاد والاجتماع وقد ثبتت صحته أكثر في عصر ما بعد الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية التي تضرب اقتصاديات العالم , انه طريق غير معبد بعد ومعالمه غير واضحة لأنه يحاول ان يسلك الطريق الوعر والخالي من بين علامة فارقة بين الرأسمالية والاشتراكية, ولكن هل هو طريق ثالث حقا أم ترى ما نسمعه ونقرأ عنه هو مجرد فذلكة سياسية بعد ان وجد العالم ان الطريقين اللتين اختارتهما الانسانية في مسيرتها الطويلة حتى الآن طريقان غير سالكين؟ لقد أفاق العالم في التسعينات على انهيار الاتحاد السوفييتي قلعة الاشتراكية العالمية وملاذ الخارجين على (الامبريالية) والرافضين لممارساتها, واعتقد الكثيرون في هذا العالم ان الطريق أصبح آمنا لسيطرة فكر واحد على مستقبل الانسانية هو الفكر الرأسمالي, الى درجة ان شاع تعبير مختصر لعالم اقتصادي امريكي هو فوكوياما بأن نهاية التاريخ قد أزفت, وهذه النهاية تعني ان العالم لم يعد أمامه غير طريق واحد هو طريق الرأسمالية, فقد ثبت ــ في رأيه ــ ان الطريق الى رفاه الشعوب وحريتها هو طريق الرأسمالية. ولم نكن نحن في الخليج بعدين عن ذلك التفكير, فقد طرحت أفكار حتى قبيل انهيار الاتحاد السوفييتي مفادها بأن رعاية الدولة لكل الانشطة الاقتصادية والاجتماعية هي عمل غير اقتصادي مكلف, وقد آن أوان التخلص أو التخفيف منه, ولقد جاءتنا بعض الافكار التاتشرية مبكرا فتحدثنا عنها قليلا ثم طبقنا الخصخصة التي طبقتها السيدة مارجريت تاتشر ابان الثمانينات بدرجة أقل, أي محاولة تخفيف أعباء الدولة وتحويل بعض النشاطات المختلفة الانتاجية والخدمية الى الخواص, بعضنا شرع في ذلك بالفعل في قطاعات مثل الاتصالات والمواصلات والاسكان وبعضنا قطع نصف الطريق وتوقف يرقب الآثار الاجتماعية لما بدا وكأنه الطريق الذهبي للتنمية ولكننا اكتشفنا في أغلب الاحيان انه لم يكن بالسلاسة التي كنا نتوقعها, لقد بدأ العالم يتحدث بفخر عن الخصخصة وكأنها الحل السحري لمشكلات الدولة الحديثة, ثم اكتشف سريعا انها ايضا وصفة للانهيار والافلاس. تبخرت الفرحة بوجود حل شامل للتنمية, وسرعان ما بدأت مظاهر الأسى في الدول العديدة التي تبنت هذا الطريق الرأسمالي, فقد انهارت أسواق المال وتدهورت البورصات وسقطت أسعار المواد الخام الى الحضيض في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية, بل ولم تنج العديد من الدول الاوروبية وبدت الدول الصناعية الكبيرة على مشارف الافلاس, بعدما أفلست البنوك وتضاعفت نسب العاطلين عن العمل في الدول التي حققت بعض النمو, وبدا الوضع الاجتماعي لكثير من هذه الدول مهددا بالانفجار. لقد اتضح سريعا ان التطرف في أية جهة سواء الاشتراكية أو الرأسمالية هو انحياز ــ مثل أي تطرف ــ يقود الى الهاوية, وبدونا وكأننا قد أخذنا على غرة, فلقد تحمسنا بالأمس فقط الى اشتراكية اعتقد بعضنا انها تقود الى دولة الرفاه, ثم تحولنا الى طريق سريع في الخصخصة, ويعود العالم اليوم للبحث عن طريق ثالث, بعد فشل وانسداد للطريقين الأولين. هذا الطريق الثالث هو الذي تبحث عنه الاشتراكية الاجتماعية في الغرب اليوم, وهو الذي قاد وسط اليسار في أوروبا والولايات المتحدة الى الحكم في السنوات الأخيرة, يمثله على الطرف الغربي من الاطلسي بيل كلينتون بعد ثماني سنوات من حكم الجمهوريين, ويمثله على الطرف الشرقي من الاطلسي توني بلير رئيس الوزراء البريطاني بعد تسعة عشر عاما من حكم المحافظين, يأتي من بعده المستشار الألماني الجديد جيرهارد شرويدر الذي وصل الى الحكم بائتلاف اشتراكي بعد ستة عشر عاما من حكم الائتلاف المحافظ, لقد فشلت الخصخصة وسياسات اليمين ان تحافظ على التوازن الاجتماعي في تلك المجتمعات, كما فشل التطبيق غير الانساني لتحكم الدولة في كل وسائل الانتاج قبل ذلك, فاختارت الشعوب ان تجرب طريقا آخر معالمه لم تتضح بعد. بدا هذا الطريق الثالث دون أيديولوجية أو تنظير ومازال كذلك, ولكنه أراد تجنب (الاقصيين) كما يقال اليسار واليمين, فهو تطبيق عملي لسياسات قد يوجد من ينظر لها في المستقبل, ولكن ليس لها نظرية حتى الآن, وفكرتها قائمة على ان الرأسمالية شر لابد منه, ولكن السؤال هو كيف يمكن دفعها لكي تعمل للصالح العام؟ انها محاولة لتطويق أزمة الرأسمالية المتفاقمة بأفكار جديدة. المؤسف ان البعض منا لم يسمع بالانهيارات الاقتصادية المدوية التي واجهتها مجتمعات أطلقت العنان غير المنضبط لما عرف بالخصخصة, فقد ثبت ان لها مضارا قد تكون أكبر من مضار ادارة الدولة لبعض القطاعات الاقتصادية الحيوية, لأن رأس المال يسعى وراء الربح وهذا من حقه, سواء كان رأسمال محليا أو خارجيا, وهو ما يدفعه لتقديم الكثير من الابتكارات الادارية وتقليص البيروقراطية من جهة ولكنه لا يلتفت الى النتائج الاجتماعية والسياسية السلبية التي قد تظهر في المجتمع أثناء ممارسته السعي وراء جني الارباح. فالحرية السياسية هي هدف براق نسعى اليه جميعا, ولكن الحرية الاقتصادية هي كابوس يجب أن نحذره. مازال البعض منا يتحدث عن الخصخصة دون شرور, في الوقت الذي يراجع فيه جذريا مطلقوها الأوائل نتاجها السلبي على المجتمع التي تكاد تقود الى كساد عالمي غير مسبوق. الطريق الثالث لادارة المجتمع التي يتحدث عنها اليوم في الغرب لها أدوات, وهي أدوات ليست بعيدة عنا, فالحديث دائر حول دور القطاع التطوعي, ولنا في تراثنا الكثير منه, في الكويت مثلا هناك أفكار ناضجة طبقت في صناديق الوقف, وهي صناديق تمتد من العمل الثقافي الى العمل الانتاجي, تبتعد عن البيروقراطية وتقدم خدمات للمجتمع ولا تسعى لعصر المستهلك عن طريق تعظيم الربح وهي بذلك تدير بشكل دقيق ومعاصر أموال بعض المسلمين التي أوقفوها على أعمال الخير وهناك القطاع التعاوني الذي كانت فكرته من أهم الافكار للمشاركة في تقديم الخدمة دون السعي الشرس للحصول على الربح الفاحش, صحيح ان بعض الممارسات قد خرجت عن خطها الأصلي, وباتت عبئا على المجتمع, ولكنها ممارسات خارجة عن الفكرة الأصلية وابنة غير شرعية لها, اما الفكرة الأصلية فهي خدمة المجتمع. من ضمن شعارات الطريق الثالث لادارة المجتمع شعار يقول لا حقوق دون مسؤوليات, ويعني هذا ضمن ما يعنيه ان الحقوق للمواطنين ليست مطلقة, ولكنها حقوق مقيدة بمسؤوليات, واجب على المواطن ان يتحملها, فحقوق التعليم والتطبيب والعمل هي حقوق للمواطن قدرت الدولة على تقديمها, ولكن على المواطن استخدامها بمسؤولية وكفاءة, فالمتعلم ان لم يستفد من فرص التعليم وجب عليه ترك مكانه لمن هو أكفأ منه, والعمل ليس راتبا آخر الشهر, ولكنه قبل ذلك انتاج للمجتمع. وتبرز شعارات أخرى جديدة في مسيرة الطريق الثالث منها على سبيل المثال لا الحصر (دولة الاستثمار الاجتماعي) أو الرأسمال ذو المسؤولية الاجتماعية) وغيرها من شعارات لها علاقة بالبعد المجتمعي. في الوقت الذي يتحدث العالم عن (الطريق الثالث) مازال بعضنا يتحدث عن الخصخصة كوصفة سحرية للخروج من المأزق الذي تواجهه دولة الرفاه, وهو ان دل على شيء فإنه يدل على ان بعضنا لا يراقب بوعي تجارب الآخرين ويستفيد من اخطائهم, العالم يدخل عصرا جديدا, الى درجة ان التحليل الاقتصادي والسياسي الذي كان منطقيا ومعقولا في بداية هذا العقد (التسعينات) لم يعد كذلك في نهايته, فالتغيرات هائلة وسريعة في آن, وهي تجرف المتفرجين دون رحمة أو ابطاء. في الخليج فإن دولة الرفاه وقد قدمت خدماتها على مدى أربعة عقود أو أكثر قد وصلت الى نهاية المطاف, فلم يعد لدينا اليوم (ماما دولة وبابا نفط) كما كان لدينا في السابق, وقد استثمرت دولة الرفاه في العقود الماضية في كل من البناء التحتي والعنصر البشري, وقد آن لهذين مجتمعين وبالاعتماد عليهما تقديم دعم لاستمرار التنمية ــ خاصة العنصر البشري ــ علينا ان نفكر بجد ودون أناة لتقديم حلول منطقية وعملية للمعضلات القادمة التي سوف تواجه مجتمعاتنا, مستعينين بما تم انجازه من بنية تحتية, مبتكرين حلولا ذات مردود اجتماعي واقتصادي. ان كان التوجه للخصخصة هو تقديم ادارة أفضل وأرخص فربما فكرنا بتبسيط العمل البيروقراطي, وان كان القطاع الخاص هو القائم على التنمية فعليه ان يشارك في الأعباء المجتمعية المختلفة عن طريق ضرائب عادلة. العالم كما قلت يتغير, فهجوم العولمة وسقوط مقولة اليسار واليمن, والتوجه الى الفردية وتغير دور الاسرة, ومشكلات البيئة كلها عناوين لأزمات قادمة, ومن الخطأ ان نرى العالم من حولنا يتغير ونظل نحن متفرجين في انتظار العاصفة. رئيس تحرير مجلة العربي الكويتية*