ماذا جرى بالدقة في واي بلانتيشن خلال تسعة أيام من المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين خارج نطاق الاخبار والتقارير والتصريحات الرسمية التي نقلتها لنا وكالات الأنباء ؟ يقال ان ياسر عرفات بعد وصوله مزرعة واي بيوم واحد فقد ساعة يده, فشاهدها في اليوم التالي على معصم أرييل شارون من بعيد, الذي رفض وأصر على عدم مصافحة عرفات, فشكا عرفات إلى نتانياهو ان وزير خارجيته سرق ساعة يده, حتى والمفاوضات الرسمية لم تبدأ بعد, فرد عليه نتانياهو لكي يدلل على نيته على بناء الثقة: لا تقلق, سأتصرف بنفسي في هذا الموضوع. بعد ساعة عاد نتانياهو ومعه بالفعل ساعة عرفات فسلمها له, فسأله هذا بدوره وهو يشكره: لكن ماذا قال وزير الخارجية؟ فرد نتانياهو: لم يقل شيئا البتة, في الحقيقة لم يشعر بي على الاطلاق! وبما ان القارىء لن يصدق الحكاية وسيأخذها على انها نكتة لا أكثر, فإن النتائج التي أفضت إليها مفاوضات مزرعة واي, تؤكد بالدليل القاطع ان عرفات وقع فعلا ضحية بين اثنين يتنافس كل منهما مع الآخر على سرقة الكحل من العين, فكيف يمكن لعرفات ان يخرج من المزرعة ليس خاسرا وهو بين مطرقة نتانياهو وسندان شارون, ومن خلفهما كل المساندة الأمريكية؟ لذلك فإن انتقاد عرفات بعنف وبشدة على تفريطه في الحقوق وتقديم التنازلات ليس في محله, فهو يكفيه انه خرج من المفاوضات بكوفيته وعقاله ولم يسلبهما الاسرائيليون منه, فيكون في ذلك نصرا له وللقضية, لأن رمزها لا يزال باقيا. غير اننا نبقى في كواليس المفاوضات كما ذكرنا لا في المفاوضات نفسها, لكي لا تنفجر مرارة القراء مع قراءة هذه السطور بسبب اتفاق واي بلانتيشن, فالقراء لديهم من الأسباب لانفجار المرارة ما يكفيهم, فقد فكر نتانياهو بعد الحادثة السابقة في تغيير وزير خارجيته شارون الذي أساء بسرقته تلك الى الوفد الاسرائيلي, فطلب من كلينتون مساعدته قائلا: ساعدني في اختيار وزير جديد, كيف اخترت وزيرة خارجيتك مادلين أولبرايت؟ فرد كلينتون: لقد اختبرتها بشكل بسيط, فقد اتصلت بها وسألتها على الهاتف: من هذا الذي هو ابن والدك وليس أخيك؟ فردت: أنا, وهكذا نجحت فاخترتها. وعلى ذلك فقد اتصل نتانياهو من أمريكا إلى اسرائيل بوزيره السابق ديفيد ليفي وسأله: من هو ابن أبيك وليس أخيك؟ غير ان ليفي طلب مهلة للتفكير اتصل فيها بدوره بإيهود باراك فسأله: من هو ابن أبيك وليس أخيك؟ فرد باراك: أنا, فاتصل ليفي بنتانياهو وقال له في ثقة: لقد عرفت, انه إيهود باراك, فقال نتانياهو: خطأ يا ليفي, انها مادلين أولبرايت! وبعيدا عن الجميع, الذكي فيهم والغبي الذي يتذاكى, من نتانياهو نفسه إلى وزير خارجيته شارون, فإن أولبرايت ربما لعبت دورا كوزير لخارجية اسرائيل أكثر مما يمكن ان يلعبه شارون, فهذا ينفع لحلب الأبقار أكثر مما ينفع لممارسة الدبلوماسية, حتى وكلينتون اختار أولبرايت وزيرة لخارجية أمريكا لا لإسرائيل, الا ان العرق دساس والدم يحن. لذلك فلم يكن من المتوقع ان يخرج عرفات بأي مكاسب حقيقية من مزرعة اليهود تلك, طالما ان الأمريكيين أنفسهم وقعوا تحت السطوة الاسرائيلية والغطرسة الصهيونية التي مثلها نتانياهو من تذكيره لكلينتون بالسيجار الى مطالبته بالجاسوس بولارد, ويبقى في الكواليس الكثير من الأسرار التي ربما نعرفها عما قريب غير اننا نختم بهذه الحكاية من الكواليس إياها, فنعرف منها النتيجة التي انتهى إليها اجتماع مزرعة واي: فقد حذر نتانياهو بعد أيام من المفاوضات عرفات قائلا: اذا لم تقبلوا شروطنا للأمن ومتطلبات هذا الامن, فأتوقع مشكلات كبيرة في المستقبل, فربما يغضب الشعب الاسرائيلي ويرتكب مذابح ضدكم, فسأله عرفات بدوره: وإذا قبلنا طلباتكم, فماذا سيحدث؟ قال نتانياهو: في هذه الحالة سيكون شعبنا سعيدا وسيخرج الناس إلى الشوارع يشربون الأنخاب ثم يذبحون العرب بعد ذلك!