مغرمون نحن العرب بقتل الآمال واغتيال الأحلام, وعدم الاستفادة من تجاربنا و من دروس التاريخ, فتكون النتيجة أن تتكرر الأخطاء وتضيع الفرص وتبقى الأوضاع على ما هي عليه تأكيدا على مبدأ اساسي يحكم حركتنا, وهو: محلك سر ! نفرح ونحن نستعيد أعظم الأيام بعد ربع قرن من معايشتنا لها, ونتذكر ملحمة أكتوبر بكل مافيها من الأداء الرائع والبطولات العظيمة والانجازات الرائعة, ثم نسأل أنفسنا: أين نحن من اكتوبر؟ لا نتحدث هنا عن التسويات السياسية التي أعقبت الحرب, والتي اختلفنا كثيرا حول تقييمها, ولكننا نتحدث عن اكتوبرالذي كان مفاجأتنا لأنفسنا والعالم, اكتوبرالذي كان قمة في التخطيط السليم والتنفيذ الدقيق, واعتماد العلم بدلا من الفهلوة, والجدية بدلا من التسيب, والابتكار بعد الجمود, والتفاني في العمل والتوحد في الهدف. ونتحدث عن اكتوبر الذي جمع العرب بعد تشتت, ووضع كل الأسلحة العربية في خدمة المعركة, من المال الى البترول الى الجيوش التي التحمت معا على كل الجبهات, فكان النصر المستحق رغم كل ما حدث من مناورات وتهديدات ورغم الدعم الأمريكي الهائل الذي أنقذ العدو الاسرائيلي من هزيمة. الأجيال الجديدة التي لم تعش تلك الأيام, لا تعرف حجم الآمال التي جاء بها نصر أكتوبر العظيم, لم يكن تحرير الأرض هو الهدف الوحيد الذي انتظرناه, وإنما أصبح الهدف هو اقتحام العصر من أوسع أبوابه وبنجاح لايقل عن نجاحنا في اقتحام خط بارليف, أصبح الهدف هو بناء القوة العربية القادرة على تحقيق الأحلام المؤجلة, لقد أدركنا وادرك العالم معنا ــ من خلال اكتوبر ــ اننا قادرون على الإنجاز الكبير واننا نستطيع أن نكون القوة السادسة في العالم بعد الدول الخمس الكبرى في ذلك الحين, وأننا نملك كل المؤهلات لذلك: البشر المؤهلون للتعامل مع التكنولوجيا المتقدمة, والمال القادر على بناء التنمية, والبترول الذي يمثل عصب الصناعة, والسوق الواسعة, والآمال الواحدة, والثقافة المشتركة, والقوة المسلحة القادرة على ردع العدوان وحماية التنمية وفرض السلام. لكن ذلك كله تبدد بفعل فاعل .. قد يكون أجنبيا في بعض الأحيان, ولكنه في معظم الأحوال كان من بيننا, نعم كانت هناك مؤامرة أجنبية لإجهاض نتائج حرب اكتوبر وحرمان العرب من كل ثمارها السياسية والعسكرية والاقتصادية, وحصار القوة العربية حتى لاتفرض كلمتها على العالم, ولاشك أن المؤامرة قد حققت الكثير من النجاح .. تواضعت المكاسب السياسية من حرب اكتوبر, وهبطت أسعار البترول, وتم استنزاف الأرصدة العربية, وانهارت الأحلام التي أعقبت اكتوبر. كانت هناك مؤامرة أجنبية, ولكننا نحن الذين نتحمل مسؤولية نجاحها نحن الذين فرطنا في تضامننا الذي كان أقوى أسلحة المعركة, ونحن الذين سلمنا أوراق اللعبة للأعداء, ونحن الذين انسقنا في الطريق الخطأ فكان ما كان من قطيعة عربية, واتفاقات منفردة, ومحاولات للبحث عن زعامات وهمية أو وراثة أدوار قومية, أو التهرب من المسؤوليات والجري وراء أوهام القدرة على تحقيق أي إنجاز حقيقي بعيدا عن التضامن العربي. وكانت النتيجة هي ضياع الفرصة وانهيار الحلم الذي ولد في رحم اكتوبر, وبدلا من ذلك دخلنا في حروب عربية ــ عربية استهلكت قوانا واستنزفت ثرواتنا, وشتتت جهدنا .. لنكتشف أخيراً ــ كالعادة ــ أن أحدا منا لم يكسب شيئًا وأن الرابح الوحيد هم أعداء الأمة الذين أدركوا درس اكتوبر أكثر مما أدرك العرب. ورغم ذلك جاءتنا الفرصة مرة أخرى في نهاية الثمانينات .. كانت مصر قد عادت لتلعب دورها القومي بعد مصالحة عربية شاملة, وخرج العراق من حربه مع إيران قوة لايستهان بها, وبدأت سلسلة من الاتفاقات تبشر بتعاون عربي هائل على كافة المستويات, لكن الحلم هذه المرة لم يستمر طويلا, فقد تم اغتياله بمأساة غزو الكويت وتدمير العراق, والتي لا زالت الأمة العربية تدفع فواتيرها حتى الآن .. استنزافا ماليا, وتجويعا لشعب العراق الشقيق يستهدف الإبادة لا العقاب, وتدميراً لطاقات عربية كانت كفيلة بإحداث نهضة لا مثيل لها, وضربا للفكرة القومية لم يحلم به الأعداء, وإثارة للشكوك بين الإخوة, وتواجدا للقوى الأجبية يثقل بكاهله الأرض العربية, وانقساما ما زال يجعل من انعقاد قمة عربية في حد ذاته, أملا لا نستطيع إنجازه رغم شعور الجميع بفداحة الثمن الذي ندفعه يوما بعد يوم. كنا ندرك حجم المأساة, ورغم الضجيج الإعلامي الغربي عن الوعود الأمريكية بحل القضية العربية, فقد كان أي عاقل يعرف أن الأمر قد أفلت من أيدينا, وأن فرصة أخرى للنهوض العربي قد ضاعت. وعندما ذهب وزراء الخارجية العرب إلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق يذكرونه بالوعود الأمريكية كان الرد بسيطا ومباشرا .. وموجعا ايضا, فقد قال الوزير الأمريكي لقرنائه العرب: عليكم أن تتذكروا جيدا أن العرب قد هزموا في الحرب! نعم .. انهزم العرب, ولم تنهزم دولة, وعليهم أن يدفعوا الثمن, وأن تتواضع مطالبهم, وأن يقبلوا أي تسويات مقترحة وهم يعلمون حقيقة ما حدث لهم, وعلى هذا الطريق سارت الأحداث من مدريد إلى أوسلو إلى .. واي بلانتيشين! ومع قتامة الصورة عقب مأساة حرب الكويت, فقد تمسكنا بالأمل, وقابلنا بالترحاب إعلان دمشق باعتباره طوق النجاة الذي يمكن أن تعبر به الأمة أزمتها, وانتعشت الآمال بأن يكون هذا التحالف نواة وركيزة لعمل عربي مشترك يملك كل مقومات النجاح. وبقية القصة معروفة .. انهار الأمل كالعادة, وظل (إعلان دمشق) حبرا على ورق, وبدا أن الكل يتعامل معه على أنه شيء للذكرى وليس للتنفيذ, ورغم أن أحداً لا يريد أن يتحمل مسؤولية انهائه, فإن أحدا لم يعد يعلق عليه آمالا جادة .. أو هكذا الأمر حتى الآن! صحيح أن جزءا من المسؤولية عما وقع ترجع الى الظروف التي قام فيها هذا التحالف والمناخ الذي سيطر على المنطقة خلال السنوات الماضية, فقد تم الاتفاق على الاعلان بعد حرب الخليج مباشرة, وفي ظل مناخ ينوء بالمأساة, وتحت وطأة وجود أمريكي ضخم وانفراد أمريكي بادارة شؤون العالم والمنطقة, كما تم الاتفاق في ظل تراجع قومي عربي وصل الى حد تصريح البعض ــ من موقع المسؤولية ـ بأن العروبة خرافة! ومع جهود أمريكية لإنهاء المقاطعة العربية لاسرائيل وفتح الأبواب العربية أمامها والدعوة لفكرة الشرق أوسطية بديلا للعروبة وهي جهود استجاب لها البعض ورضخ لها البعض وتصور البعض انها المفتاح السحري للتقدم والضمان الأكيد لنيل البركات الأمريكية. كما تم الاتفاق في ظل استنزاف تحول الى ابتراز مالي لدول المنطقة تحت دعوى حمايتها, وفي ظل اتجاه لحصار دور مصر العربي واستنزاف سوريا حتى ترضخ للشروط الاسرائيلية, وفرض خريطة جديدة للمنطقة تكون فيها الهيمنة لاسرائيل بالتحالف مع تركيا, ويكون فيها العرب أشتاتا متناثرة منقسمة يسهل اخضاعها للخريطة الجديدة. كل هذه العوامل كانت وراء تجميد الاتفاق, ولكن اهم العوامل كان غياب الارادة في تحدي الظروف وتحويل الحلم إلى واقع, والآن .. تبدو الصورة امام الجميع على حقيقتها, فالكل خاسر في هذه اللعبة والرابح الوحيد هو العدو, والكل سيجد نفسه وهو يلعب في الوقت الضائع إذا لم يدرك انه لا مستقبل لطرف عربي بعيدا عن امته, ولا امن ولا استقرار الا إذا كانت الامة العربية كلها هي الساحة والتضامن العربي هو الوسيلة. الآن .. يبدو الدرس واضحا لكل من يريد أن يفهم ويتعلم, الشرق اوسطية ـ وليست العروبة ــ هي الخرافة, والاستنزاف الخارجي جعل الجميع يدركون وطأة الخروج على الصف وفداحة الاعتماد على الاجنبي في توفير الامن أو تحقيق التقدم, و(الهرولة) التي كان البعض يراها علامة تحضر ودليل تفتح, توقفت بعد وضوح النوايا الاسرائيلية, وجهود المصالحة التي قادتها مصر والامارات العربية وشارك فيها الشيخ زايد والرئيس مبارك بمسؤولية وحماس نشرت جوا جديدا في المنطقة, وحتى لو يتم انجاز المصالحة المطلوبة فقد منعت هذه الجهود المزيد من التدهور في العلاقات العربية, ومهدت الطريق للسير فيه نحو الهدف. وهناك الان ايمان عميق لدى الجميع بعجز كل دولة عربية بمفردها عن مواجهة تحديات المستقبل, والسير نحو سوق عربية مشتركة يبدو ضرورة حياة, واستثمار كل الفرص الممكنة لبناء الاقتصاد العربي القادر على المنافسة لم يعد ترفا, والخلل في توازن القوى في المنطقة, يدفع العدو إلى الغطرسة, والتحركات السياسية والاحلاف المشبوهة تدق اجراس الخطر, والخطر لا يبدو بعيدا عن أحد كان يظن انه يستطيع النجاة من النار اذا نشبت في المنطقة أو انه يستطيع الاعتماد على طرف خارجي لتوفير الحماية والامن, فالقوة الداخلية وحدها هي الضمان والجهد العربي المشترك هو قارب النجاة. وخلال الشهر المقبل يجتمع وزراء خارجية دول اعلان دمشق في الدوحة, وهو اجتماع, كان مقررا عقده قبل عام كامل, ونحن بالطبع لا نتوقع معجزات من هذا الاجتماع أو غيره, فقد مضى زمن المعجزات, ولا ننتظر مفاجأة أو انجازا باهرا, كل ما نريده أن نستعيد الجدية في التعامل مع قضايانا, وان نكون صريحين مع شعوبنا, وأن نبدأ في انجاز ما تم الاتفاق عليه أو نقول لشعوبنا الحقيقة كاملة. فقط .. فليعلم الجميع ان كل حلم قومي يتم اغتياله يدفع ثمنه العرب جميعا, وان كل خطوة ــ ولو صغيرة ــ على الطريق الصحيح سوف تكون انجازا حقيقيا بعد سنوات لم نشهد فيها الا الفرص الضائعة والأحلام الشهيدة.