لن يطول الوقت كثيرا حتى تهدأ الزوبعة التي اثارتها تركيا ضد سوريا, والتي شملت اضافة الى الحملة السياسية الاعلامية , تهديدات وحشوداً عسكرية على الحدود السورية, غير ان الهدوء المرتقب للزوبعة التركية, لن يعيد الأمور الى ماكانت عليه قبل ذلك, لاعلى الجانب التركي وعلى الجانب السوري ايضا, على قاعدة انه ليس بالامكان العودة الى ماكان. ففي الجانب التركي, ستظل الادعاءات التي رفعها الاتراك مبررات لزوبعتهم قائمة, وسيبقى تأثير العامل الاسرائيلي حاضرا في السياسة التركية ازاء سوريا, وهذا يعني بصورة بديهية, ان تركيا يمكن ان تجدد زوبعتها في أي وقت ممكن, طالما توفرت الرغبة في نفس جنرالات تركيا وحلفائها الاسرائيليين. اما في الجانب السوري, فالامر لن يظل على ماهو عليه بعد التجربة المرة الأخيرة, ذلك ان السوريين تعاملوا مع الزوبعة التركية باعتبارها أمرا طارئا, لا سياسة ثابتة لدولة من دول الجوار الجغرافي ــ التاريخي تربطها بسوريا وبالعرب علاقات وثيقة ومتعددة المجالات والمصالح, الامر الذي يتطلب التهدئة والتروي, والاتجاه نحو الحوار والحلول الدبلوماسية, بدلا من الرد على التهديدات وجعجعة السلاح بالحشد المقابل, وتصعيد احتمالات الحرب. وسيكون لدى السوريين حذر شديد ازاء احتمال تكرار الكلام التركي الخطير وبخاصة في موضوع الاعتراف السوري باغتصاب تركيا لواء اسكندرون في العام 1939 في اطار مسرحية تركية ــ فرنسية, يوم كانت فرنسا, تمارس الانتداب على سوريا, وتسلب السوريين ارادتهم الوطنية وحقهم في الدفاع عن انفسهم ووحدة ارضهم. وهذا الموضوع, يضاف الى آخر اتسم بالجلافة الشديدة خلال الحملة التركية وهو موضوع التدخل في سياسة سوريا بالطلب اليها التوقف عن مهاجمة التحالف العسكري التركي ـ الاسرائىلي, وكأن المطلوب من سوريا, ان تبارك حلف جار لها معه كثير من الروابط والمصالح مع عدو من الصعب القول ان العلاقات معه سوف تكون طبيعية في المدى المنظور, خاصة وانه مازال يحتل ارضا سورية, تم الاستيلاء عليها بقوة السلاح, وخلافا لمنطق القانون والشرعية الدولية, ويشرد اهلها من السوريين, اضافة الى ما يفعله ببقية العرب وخصوصا اللبنانيين والفلسطينيين. وسط هذه الاجواء التي تحيط الجانبين التركي والسوري, فيما بعد هدوء الزوبعة التركية, يبدو ان على سوريا ان تعيد رسم سياستها الخارجية لتقوم على اساس ان جبهة جديدة للصراع استجدت, جبهة تتعدى الوجود الاسرائىلي العسكري على جبهة الجولان, وامتداداته في جنوب لبنان وصولا الى الجبهة التركية التي صار الحضور الاسرائيلي فيها ملموسا سواء من الناحية السياسية بفعل وقوفه خلف التهديدات والمطالب التركية من سوريا, أو بالحضور العسكري المستورد في اطار التعاون العسكري والامني الذي تقيمه اسرائىل مع تركيا منذ اربع سنوات, وقد شمل التدريب والتنظيم والتسليح والصناعات العسكرية والتعاون في مجال الاستخبارات, وقد اكد مسؤول تركي ان معلومات الاستخبارات التركية الاخيرة عن سوريا مصدرها اسرائىل. ورغم ان على سوريا ان تؤكد حرصها على استمرار علاقات طيبة ووثيقة, تقوم على التفاهم والتعاون والمصالح المشتركة مع تركيا, فان عليها ان تحذر, بل ان تضع في اعتباراتها احتمالات الصدام, مما يتطلب صياغة لسياسة سورية جديدة ازاء تركيا, وفيها ثلاثة امور: الامر الاول استمرار التأكيد على الطبيعة العدوانية التوسعية للحلف التركي ــ الاسرائىلي, واخطاره الواقعية والمحتملة على دول الجوار ومحيطها, استنادا الى ما خلفته الزوبعة التركية ضد سوريا, وفي ضوء السياسات التركية الاخيرة حيال العراق. والامر الثاني في متطلبات السياسة السورية في المرحلة المقبلة, تحشيد القوى العربية ـ الاسلامية ضد التوجهات التركية في تعاملها مع الدول العربية ــ الاسلامية في ضوء سياستها ازاء سوريا والعراق خاصة بعد مشكلة المياه المفتعلة مع سوريا والعراق, وبعد تكرار الاجتياحات التركية لشمال العراق, الامر الذي كرس سياسة استخدام القوة والتهديد بها ضد بلدان عربية ــ اسلامية, وهو نهج ينبغي مقاومته في معالجة قضايا الخلاف بين الدول العربية والاسلامية, وفي هذا ثمة مقررات وتأكيدات من جانب القمم الاسلامية وآخرها قمة طهران التي انعقدت العام الماضي. والامر الثالث في متطلبات السياسة السورية للمرحلة المقبلة ازاء تركيا, يمثله السعي الحثيث الى حل القضايا المعلقة بين البلدين, وبخاصة موضوعي الامن والمياه, وكلاهما يشكل عامل ضغط هائل في العلاقة بين سوريا وتركيا, وهو بين دوافع توتير العلاقات. وبصورة عامة, سوف يكون على سوريا ان تعيد تقييم الموقف العام بصدد العلاقة مع تركيا من النواحي كافة السياسية والامنية, واتخاذ الاجراءات التي تكفل عدم تكرار (الزوبعة) التركية, او على الاقل الحد من تأثيرات هكذا تطور في العلاقات التركية ــ السورية) . ويتطلب وضع كهذا القيام باجراءات تتناسب مع اعادة تقييم الوضع العام في المجالين السياسي والامني وصولا الى الجانب الاقتصادي, وهو موضوع مهم في العلاقات التركية ـ السورية, حيث عشرات البضائع التركية تؤكد حضورها في الاسواق السورية, كما ان الحدود المشتركة ممر هام لحركة الترانزيت التركية عبر سوريا وبالعكس الى جانب الركاب من قاصدي تركيا بهدف السياحة والاستجمام والتجارة السرية. ان الاساس في مرحلة ما بعد هدوء الزوبعة التركية ضد سوريا, ان تكون تركيا تحت العين السورية, وفي الابعد من ذلك تحت العين العربية ــ الاسلامية من اجل محاصرة النهج الجديد الذي تحاول تركيا السير فيه, وهو نهج الخضوع للاملاءات الاسرائىلية, والانخراط عمليا في استراتيجية اسرائيل وفي تنفيذ سياساتها في المنطقة, والتي تجد تعبيرات عملية في السياسة التركية ازاء ثلاثة من دول المنطقة هي العراق وايران وسوريا. ووصولا الى تحقيق هذا الهدف ينبغي اللجوء الى كل الاجراءات الممكنة سياسا وأمنيا واقتصاديا, شريطة ان تظل تحت العين حقيقة ان على البلدان العربية والاسلامية ان تبذل اقصى الجهد لعلاقات افضل بين تركيا والدول العربية والاسلامية حيث الموروثات المشتركة, اضافة الى المصالح المشتركة الراهنة والمستقبلية. صحفي وكاتب سوري*