مرة أخرى يعود الحديث والبحث عن نظام اقتصادي عالمي جديد بعد أن كان هذا التعبير قد اختفى خلال السنوات العشر الماضية . وبعد ان كان البعض قد تصور أن النظام الاقتصادي العالمي قد تعمد نهائيا وتأكد بعد انتصار النظريات الليبرالية البحتة في الاقتصاد والتي دشنت مبادئ السوق والمنافسة المفتوحة بلا قيود أو حدود. ولعله من الغريب أن الذين يطلقون صيحات التحذير هذه الأيام عن المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي والذين يرفعون أصواتهم مرة أخرى للمطالبة باعادة النظر في كثير من الأسس التي يقوم عليها, هم أنفسهم الذين كانوا يبشرون بأن العلاقات الاقتصادية الدولية في عالم اليوم قد استقرت وبشكل نهائي على الشواطئ الآمنة. وحين يطالب السكرتير العام للأمم المتحدة بضرورة ايجاد شكل من أشكال مجلس الأمن الاقتصادي لإعادة التوازن في الخلل الذي أصاب مسار وتطور الاقتصاد العالمي. وحين يحذر رئيس البنك الدولي من أن الوضع الاقتصادي الحالي يهدد ليس فقط بالمزيد من افقار دول العالم الثالث, بل وانهيار القواعد والأسس التي يقوم عليها النظام الاقتصادي. وحين يصدر المؤتمر الدولي لمحافظي البنوك الغربية ورجال الأعمال في ختام مؤتمر أخير لهم توصيات بضرورة تصحيح التشوهات القائمة في الاقتصاد العالمي خاصة فيما يتعلق بآليات التمويل واستثمارات البنوك. وحين يعلن مركز الدراسات الاقتصادية العالمية في جنيف في تقرير أخير له أن دولة مثل اليابان والتي كانت تملك ثاني أقوى اقتصاد عالمي, ومعها مجموعة من دول شرق آسيا تتعرض لهزات عنيفة من خلال لعبة العملات والتمويل الأمر الذي أدى إلى ضرب اقتصادها وافقادها قدراتها التقليدية في التصدير والمنافسة في الأسواق العالمية. وحينما يتنادى البعض في دول الشمال بحثا عما يسمى بالطريق الثالث بعيدا عن أساليب الرأسمالية الهوجاء والجامحة. حينما تصدر هذه التحذيرات والنداءات من مؤسسات دولية ومراكز اقتصادية عالمية, فإن علينا أن نحك رؤوسنا من جديد بعد أن زال الوهم الذي شاع واستبد لفترة عن استقرار الأوضاع الاقتصادية العالمية واضفاء صفة التقديس على قواعد وأسس ليست مقدسة (بأي حال) ولنحاول استكشاف الحقائق التي تؤكد اننا بإزاء كارثة اقتصادية عالمية وأن هناك شبح أزمة طاحنة وغير مسبوقة تخيم على الأفق الاقتصادي. لقد كان من المعتقد بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتطبيقاته الشمولية وانتصار المفاهيم الخاصة بالسوق المفتوحة والمنافسة الحرة ومبادئ العولمة الاقتصادية أن ثمة استقرارا بل وازدهارا قد بدأ يشمل الوضع الاقتصادي الدولي خاصة بعد أن أصبحت تتحكم فيه وتنظمه ثلاث منظمات دولية. * البنك الدولي وصندوق التنمية: وهما من مؤسسات الاقراض الدولية والتي وضعت مواصفات للاصلاحات الاقتصادية في الدول النامية ودول العالم الثاني التي خرجت من بوتقة التخطيط المركزي وتحكم الدولة, وتضمن هذه المواصفات تحرير السوق الداخلي ورفع الدعم عن السلع الضرورية, وتقليص دور الدولة, وفك الاشكال الاجتماعية والخدمات العامة وتحجيمها وفتح الحدود أمام التجارة العالمية وهو ما سمي بسياسة المواءمة. * منظمة التجارة العالمية التي أصبحت بعد اعتماد اتفاقية الجات في مراكش في ابريل سنة 1994 هي المنظمة المسيطرة والمسؤولة عن حركة التجارة العالمية والتي تقوم على أساس توحيد السوق العالمي واسقاط قوانين الحماية التجارية. * أما المؤسسة العالمية الثالثة فهي الشركات المتعددة الجنسيات والتي يقدر الخبراء أنها أصبحت تسيطر على أكثر من 60% من التجارة والصناعة العالمية. ولكن دعائم العولمة الاقتصادية الحديثة سرعان ما أثبتت فشلها الذريع ازاء بعض الظواهر التي يعود بعضها الى عوامل قديمة ومزمنة, ويعود بعضها الآخر الى عوامل جديدة مستحدثة. فلقد أدى الاتجاه الى تشكيل التكتلات الاقتصادية العملاقة (الاتحاد الأوروبي ــ النافتا الأمريكية ـ آسيان) الى اشعال جذوة المنافسة الاقتصادية على الأسواق بلا حدود أو قيود الأمر الذي اشعل مناوشات بل وحروب تجارية بين هذه التكتلات. ولم تستطع المؤسسات الدولية التي أقيمت لهذا الغرض, خاصة منظمة التجارة العالمية أن تحد من هذا التنافس الشرس ولقد قدرت الأوساط الاقتصادية العالمية منذ أربع سنوات أن اتفاقية الجات ستحقق دخلا اضافيا للاقتصاد العالمي يقدر بحوالي 300 مليار دولار سنويا. وهو الأمر الذي لم يتحقق, بل ان التقرير الصادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في جنيف يذهب الى ان كثيرا من الدول, وخاصة دول العالم الثالث قد لحقتها في السنوات الأولى للاتفاقية خسائر تقدر بأكثر من 50 مليار دولار. أما المستفيد الأساسي فقد كانت مجموعة من الشركات المتعددة الجنسيات (500 شركة) احتكرت التجارة العالمية الدولية بنسب تتراوح من 60 الى 70% بما في ذلك تجارة العملة. ومن هذه الموبقات أيضا زيادة النشاط الخاص بالعملات والمضاربات في البورصة, وهو النشاط الذي بدأ يفوق القيمة الحقيقة للانتاج العالمي. وفي دراسة اخيرة للبروفسور كينيث جالبريت المفكر الاقتصادي الامريكي المعروف ظهر ان حجم التعامل اليومي الورقي في البورصات العالمية الاساسية (نيويورك ــ لندن ــ فرانكفورت ــ طوكيو) يزيد اكثر من مرة ونصف عن الحجم الحقيقي للانتاج العالمي في نفس اليوم. وهي ظاهرة خطيرة بكل المعايير تؤدي الى كوارث اقتصادية محققة ولعل أمثلتها واضحة فيما يجري في اليابان وسنغافورة وعدد من دول شرق آسيا حيث ادت الى افلاس عدد من المؤسسات والبنوك العملاقة. أما أخطر هذه الظواهر فهو ما كشفته احصائيات برنامج التنمية في الامم المتحدة والذي يوضح ان 80% من دخل العالم يذهب الى 25% من السكان (غالبيتهم العظمى من دول الشمال), بينما لا يحصل 75% من سكان العالم (غالبيتهم من الجنوب) سوى على 20% من هذا الدخل. وتقول هذه الاحصائيات ايضا ان 25% من سكان العالم في الشمال يستهلكون 70% من الطاقة العالمية ومثلها من الغذاء العالمي, وتذهب هذه الاحصائيات الدرامية الى اعطاء صورة نسبية لهذا الصراع القاري القائم على اسس جغرافية حين نكتشف ان دول الجنوب أو العالم الثالث تخسر سنويا اكثر من 500 مليار دولار موزعة كالآتي: 250 مليار دولار نتيجة سياسة حماية الاسواق التي تنتهجها الدول الصناعية, 80 مليار دولار كنتيجة مباشرة لاجراءات اتفاقية الجات الخاصة بالتجارة الدولية, 120 مليار دولار خدمات للديون, 50 مليار دولار الفارق بين اسعار المواد الخام وانهيارها وأسعار المواد الصناعية وارتفاعها. ويقول ريمون رينيه المفكر الاقتصادي الفرنسي في كتاب له عن التنمية في عصر العولمة: ان الرجل الاوروبي والامريكي الغني الذي يستهلك اكثر مما يلزم من اللحوم والحبوب والطاقة, والذي يفتقر الى الكرم تجاه الفقراء, انما يتصرف مثل أكلة لحوم البشر وان كان ذلك يتم بطريقة عصرية, فاستهلاكه النزق كان من الممكن ان ينقذ الكثيرين من فقراء العالم, وبالتالي يمكننا القول اننا في دول الشمال قد اكلنا اطفال اثيوبيا والصومال وبنجلاديش حينما التهمنا حقهم في الحياة. ولعلنا نذكر في هذا الصدد قمة كوبنهاجن للتنمية الاجتماعية والتي عقدت منذ عامين وشارك فيها ممثلون لأكثر من 150 دولة والبيان الذي صدر عنها معبرا عن القلق الشديد ازاء الانقسام الذي يشهده عالم اليوم بين الفقراء والاغنياء, بين من يعانون من امراض التخمة والامتلاء وهؤلاء الذين تحاصرهم الانيميا وفقر الدم والاستنزاف. وحينما تتحقق نبوءة قمة كوبنهاجن ويخيم على اقتصاديات العولمة شبح الركود والكساد والكارثة, وينادي المفكرون الاقتصاديون بالبحث عن مخرج, فإننا نجدها فرصة لدول وشعوب الجنوب, والمرشحة لأن يقع عليها العبء الاكبر من هذه الازمة, لتأكيد النداء الذي سبق وأطلقه من قبل رجل الدولة الألماني الراحل فيللي براندت في التقرير المشهور والذي عرف باسمه في منتصف الثمانينات والذي ذهب الى انه من الصعب ان لم يكن من المستحيل البحث عن علاج حقيقي للمشاكل والآفات التي تواجه الاقتصاد العالمي دون النظر الى اوضاع الجنوب المتردية. مدير مركز الأبحاث والدراسات ــ الجمهورية القاهرة*