إيا يكن حجم المشاركة الجماهيرية في انتخابات مجلس خبراء القيادة فان مجرد انعقادها في ظروف من الوفاق النسبي بين تكتل المحافظين وجناح اساسي من تكتل الاصلاح والتغيير في حكومة الرئيس محمد خاتمي يعني نجاحا ملحوظا لليمين التقليدي الموسوم بالتيار المحافظ في معركة اعادة الاعتبار التي يخوضها منذ تولي الرئيس محمد خاتمي سدة الرئاسة على قاعدة هزيمة التيار المذكور. وايا تكن نتائج الانتخابات من حيث تشكيلة وتركيبة المجلس الجديد والتي يجمع المراقبون بانها ستدخل دماء جديدة اليه وتلونه عن المجالس السابقة وتجعله اكثر تعددية وتحديدا اكثر فاعلية من ذي قبل فان الرابح الأهم من هذا الاختبار سيكون بالتأكيد هو ذلك الجناح الذي فضل تحدي المحافظين في عقر دارهم بأسلحة وادوات استعارها من داخل معسكر الخصم, وذلك الجناح هو بالطبع جناح كوادر البناء الرفسنجاني الجذور والخاتمي الملامح. وحدة جناح اليسار الديني التقليدي الموسوم بالراديكالي يبدو وكأنه الخاسر الاكبر في هذا الامتحان الجديد. في السياسة كما في الاقتصاد كما يقول المحللون الاستراتيجيون لا تقاس الاعمال بالنيات كما هي الحال في المسألة الايمانية والقضايا العقائدية والايديولوجية. بل تقاس الامور بنتائجها الميدانية. ولما كان اليسار الديني التقليدي اكثر اعتمادا على العاطفة والاحاسيس منه اعتماده العقل في انتخاب خياراته في كل مرحلة فقد يبدو في الوقت الراهن وكأنه خسر المعركة لصالح من يصفهم بتحالف اليمين التقليدي ويمين الوسط حيث الاول خصمه اللدود بينما الثاني حليفه في الحكومة الائتلافية. هذا فيما يعتقد يمين الوسط الموسوم بتيار كوادر البناء الذي رشح غلام حسين كرباتشي عمدة العاصمة المجمد لزعامته في رؤية بعيدة المدى منذ تعرضه لهجوم اليمين المحافظ, بأن المرحلة الراهنة كانت تتطلب منه قبول التحدي الجديد بأعلى درجات المخاطرة السياسية, لذلك تراه قرر دخول لعبة انتخابات مجلس خبراء القيادة في احلك الظروف من حيث العدة والعدد, وبالتالي فانه يتوقع نجاحا ان مجرد تسجيل حضوره القوى حتى مع اقل النتائج المتوقعه سيمثل بالنسبة له خروجه من حالة الدفاع الى حالة الهجوم لاسيما بالنسبة لزعيمه المتهم غلام حسين كرباتشي. من ناحية اخرى فان تصدر الرئيس السابق اكبر هاشمي رفسنجاني للقوائم الانتخابية المختلفة واحتمال حصوله لاكثرية اصوات الناخبين ونجاحه في احراز كرسي رئاسة مجلس الخبراء سيعني الكثير بالنسبة لكوادر البناء ونهجهم الاعتدالي والوسطى المشتهرين به والذي أهلهم لدخول حلبة معادلة صناعة القرارات الاستراتيجية منذ نجاحهم الشهير في اختبار دورة مجلس الشورى الخامسة. ان يختار زعيم تكتل كوادر البناء شعارا مركزيا في المرحلة سماه المعارضة الايجابية من اجل التغيير يعني فيما يعني بأنه ترك الباب مفتوحا لأسوأ الاحتمالات بما فيها خروجه من تشكيلة الحكومة الائتلافية ناهيك عن سقوط مرشحيه في انتخابات مجلس خبراء القيادة. واذا علمنا بأن يمين الوسط المتمثل بكوادر البناء لا يحلم في المرحلة الراهنة سوى ان تخرج نتائج الانتخابات الراهنة بسقوط رمزين أو ثلاثة على أبعد تقدير من اقطاب المحافظين التقليديين بين المرشحين عن العاصمة طهران مستبدلا اياهم بأي من مرشحيه المنفتحين والاعتداليين, عندها نعرف ان طموحات التيار المذكور متواضعة جدا وعملية نوعا ما في ظل توازنات القوى الاجتماعية لمجتمع ما بعد 23 مايو 1997. المحللون السياسيون من دعاة المجتمع المدني الجديد يقرأون عنوان المرحلة الجديدة بأنها عودة مجددة لمعادلة ترويكا القرار التي نشأت مباشرة بعد انتخاب الرئيس محمد خاتمي خليفة للرئيس رفسنجاني في ظل قيادة مرشد الثورة آية الله علي خامنئي. ويعتبرون هذه العودة افرازا طبيعيا لحالة التعثر التي شهدتها بعض ساحات العمل الاعلامي تحت وطأة الافراط أو التفريط في ابعاد التنمية الشاملة. واذا كان البعض يعتبر عودة بروز الترويكا نوعا من الانكفاءة على مشروع الاصلاح الخاتمي, فإن الآخر يعتبر ذلك تصحيحا لبعض المسارات الاصلاحية انقاذا لها من الانسداد أو الانفلات والتسيب. ثمة من يقرأ عنوان المرحلة الجديدة بأنها انكفاءة كبرى للاصلاحيين لصالح عودة نشطة وفعالة للمحافظين, لكن الذين يعرفون مدى قوة التحولات الاجتماعية الحاصلة على صعيد اصطفاف الطبقات الشعبية لاسيما موقف غالبية الطبقة الوسطى يعرف ان مسار التغيير غير قابل للتوقف لمجرد ارادة ذاتية أيا كانت قوتها, وان التحولات الموضوعية والميدانية في معادلة الجغرافيا السياسية الايرانية لن تسمح بالانكفاء على مشروع الاصلاح الخاتمي. كل ما هنالك ان العملية التغييرية مقبلة على اتخاذ أشكال وأساليب جديدة ستجبر القيادات السياسية والحزبية التقليدية تغيير تكتيكاتها وآليات عملها أو مغادرة ساحة العمل السياسي, فاتحة الباب أمام جيل جديد من السياسيين ورجال الدولة ليأخذوا زمام المبادرة واتخاذ القرارات المناسبة في كل مرحلة. ان احتمال سقوط بعض المرشحين من أقطاب اليمين التقليدية في انتخابات مجلس القيادة واحتمال دخول مرشحين اصلاحيين ولو كانوا بعدد أصابع اليد الواحدة في ظل اجواء من السجال المستمر على المستوى الشعبي والحكومي حول ضرورة تفعيل كافة المؤسسات الدستورية ومن بينها مؤسسة القيادة من شأنه ان يجدد الحياة في آلية العملية التغييرية ويضفي على شكل القيادة العليا ومضمونها وجها أكثر ديمقراطية وبما يتناسب أكثر فأكثر مع مشروع الاصلاح الخاتمي أيا كانت نسبة المقاعد التي سيحتلها أنصار الرئيس محمد خاتمي وحماته سواء من عناصر اليسار الديني أو يمين الوسط المتحالف معه في الحكومة. وفي حال تأكد اكتساح الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني لأكثرية أصوات العاصمة وتسلمه مقعد رئاسة المجلس الجديد, فإن مرحلة التغيير ستفتح آفاقا جديدة بالتأكيد. كاتب ومحلل سياسي إيراني*