لو لم يخترع الانسان لغة بحجم الحب, لما استمرت الانسانية حتى يومنا هذا, ولذلك فمن الجميل ان نكرر بأن الحب ممارسة حضارية, بل هو الحضارة نفسها, والاجمل ما قاله نزار قباني مختصرا أبجدية الحب والحضارة, معلنا بأن: الحب في الأرض بعض من تخيلنا لو لم نجده عليها لاخترعناه وعليه, فنحن متجذرون في الحب منذ البدايات ومنذ الأزل, يوم كان الانسان يرسم أبجديته على مداخل الكهوف, نحن اليوم نستعيد جزءا من تحضرنا الذي كان حين نتبادل الحب ونحبه في الوقت نفسه. ليس مهما فقط ان تتمنى الحب أو تسعى له, المهم ان تحبه وان توافق على جميع شروطه, وكل شروط الحب قاسية وصعبة, ولذلك فهو ممارسة حضارية لم تنجدل عبثا ولم تتراكم بسهولة. ومشكلة الناس مع الحب انهم لا يفهمونه كما يجب, ولا يعترفون به كما ينبغي, فاذا ما وجدوا أنفسهم متورطين فيه حاولوا تكديس الحجب والسواتر كي لا ينكشف وكي لا ينكشفوا معه. هروب الناس من مواجهة الحب دليل أمرين: فإما أنهم يظنونه شرا أو شيئا موازنا للعار والعيب أو كأنه رجس من عمل الشيطان لابد من اجتنابه! وإما لأنه يظهر ضعفهم ولذلك يكرهونه لأن الانسان أكثر مخلوقات الله ادعاء للقوة وأشد مخلوقاته ضعفا في الوقت نفسه, ومن هنا يقاوم الانكشاف بالتمرد والعصيان والهروب. غريب ان أغلب الناس متورطون في الحب, لكنهم يذهبون عنه بعيدا, الكبار لا يودون سماع شيء عنه, ويدندنون بألفاظ حانقة ازاء مشاهد الحب وأغاني العشق والغرام حتى يتنبه الصغار الى وعي خاطىء يقول بخطيئة الحب, في الوقت الذي يتورط الصغار في الحب حتى نهاياتهم. وكان الأجدى ان يتعلم الكبار كيف يتصالحون مع الحب, ويعلمون الصغار كيف ينمون فيه ومعه. غريب ان نعتبر الحب عيبا, نحن العرب الذين ينحصر سجلنا الحضاري الموروث في الشعر والنثر والحكم والأمثال, ويذهب 90% من هذا التراث ميمما صوب الحب وحكاياته وأحوال أهله. ومنذ نشأتنا يصر المجتمع والمحيط بلا هوادة على تعليمنا أبجديات الصراع والتنافس, والكره والنفاق والخوف والضعف, وتنزرع في دواخلنا جبال من الشك في عواطف الآخرين ومشاعرهم وسعيهم صوبنا, ولو اننا تعلمنا أبجدية الحب لما انحرفنا ولأضفنا لمسيرة الحضارة شيئا جديدا باعتبار ان الحب يبني ووحده الجفاء يهدم. الحب ليس أنانية اثنين وينتهي العالم, انه أعظم بكثير, ألم نقل بأنه الحجر الأول والابجدية الأولى في سجل الانسانية الضخم, يحتاجه الجميع, ويفتش عنه البعض بلهاث عجيب, بينما يجده آخرون بسهولة لأنهم يجيدون وضع المفاتيح في الأقفال الصحيحة. ينتعش الانسان ويزدهر قلب الحضارة عندما يسكنه الحب, ولكن يوم يذوي الحب في قلوبنا, نسكن القسوة, ونتوشح بالضلال, ويذوب قلب السكر, وينطفىء العمر في العمر الجميل.