مع ان فضيحة الرئيس كلينتون, التي عرفت باسم (مونيكا جيت) لم تعد تحتل مكانا رئيسيا في أدوات الاعلام, بسبب فض الدورة البرلمانية للكونجرس وتفرغ أعضائه لخوض معركة الانتخابات المزمع اجراؤها في الثالث من نوفمبر , فإن ذلك لا يعني ان القضية قد أسدل الستار عليها. بالعكس, فإن المتابع للصحافة الأمريكية سوف يجد العديد من التحليلات التي تتجاوز الانباء المثيرة لكي تلقي بالضوء على جوانب مختلفة لهذا الموضوع الشائك. جوانب تختلف في أهميتها, ولكنها تساعد على تفسير الطريقة التي تطورت بها فضيحة (مونيكا جيت) . فهناك أولا, جانب شخصي يتعلق بالصراع بين الرئيس كلينتون ونيوت جينجريتش رئيس مجلس النواب, فقد رأى جينجريتش فيما حدث فرصة نادرة لدعم الحزب الجمهوري ولدعم موقعه الشخصي. فهذه الفضيحة يستخدمها مرشحو الحزب الجمهوري في انتخابات الكونجرس الحالية للحصول على نسبة أكبر من مقاعد مجلس النواب والشيوخ. كما يسعى جينجريتش لتدعيم موقفه كمرشح للحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة المقبلة بعد سنتين. أضف الى ذلك, ان جينجريتش رأى فيما حدث مناسبة لمحاصرة كلينتون والحزب الديمقراطي, وابراز ان الاتهامات التي وجهت للجمهوريين في فترة سابقة لم ينج منها الديمقراطيون. فكما ان الاغلبية الديمقراطية في الكونجرس عام 1974 تكتلت لاسقاط الرئيس نيكسون (من الحزب الجمهوري) بشأن فضيحة (ووتر جيت) فإن الاغلبية الجمهورية في الكونجرس عام 1998 تكتلت لسحب الثقة من الرئيس كلينتون. كما ان جينجريتش لابد انه يشعر في أعماقه بنوع من الارتياح للاتهامات الموجهة للرئيس, لأنه هو نفسه واجه لجنة تحقيق مماثلة بتهمة التهرب من الضرائب الفيدرالية, ووجهت لجنة الاخلاق بالكونجرس لوما له بسبب ذلك. وهناك ثانيا, بعد يتعلق بالصراع حول السياسات, فالرئيس كلينتون خلال فترة رئاسته الأولى, فتح عدة جبهات, ودشن عدة صراعات, مع قوى ذات بأس وحول في المجتمع الأمريكي, مثل: شركات السجائر وشركات السلاح. كما ان دفاعه عن نظام الرعاية الطبية وعن السود والفقراء حرك قوى عاتية استغلت ما قام به مع مونيكا لوينسكي لكي تصفي حساباتها السياسية معه. أضف الى ما تقدم عداء القوى المحافظة المسيحية, والتي ازداد نفوذها في داخل الحزب الجمهوري, وأخذت تهاجم كلينتون لموقفه ازاء الاجهاض, وسعت الى اصدار تشريع يمنع الحكومة الامريكية من دعم انشطة وسياسات تنظيم الاسرة في العالم. وكل هذه القوى تحالفت لوضع نهاية لعهد كلينتون. وهناك ثالثا, قضية الإعلام والاثارة, والى أي مدى يحق للإعلام تناول الأمور الخاصة للانسان على هذا النحو من التفصيل الذي حدث بالنسبة لكلينتون.. فلمدة أسابيع, خلقت أجهزة الاعلام الامريكية حالة هيستيرية ومناخا من الاثارة بشأن العلاقة بين كلينتون ومونيكا لوينسكي. وفي سعيها من أجل الاثارة والبحث عن موضوع يجتذب اهتمام الناس ويشغلهم, غطت الصحافة, بتفصيلات موغلة في الامعان, قضايا وسلوكيات شديدة الخصوصية للرئيس. الأمر الذي أثار قضية الحدود الفاصلة بين (الخاص) و(العام) فيما تقوم به الصحافة. كما أثار قضية العلاقة بين الصحافة والديمقراطية. اما بشأن الانسان بين (الخاص) و(العام) , فإن هذا الأمر يتعلق باحدى مسلمات الفكرة الديمقراطية, وهي, ان هناك (دائرة خاصة) و(خصوصية) تتصل بالانسان, لا يجوز للمجتمع ان يتدخل فيها, أو ان ينظمها, طالما انها لا تمثل تهديدا للنظام الاجتماعي أو تحديا له. وفي الفكر الديمقراطي, كانت هذه المسألة أحد المعايير الرئيسية في التمييز بين الديمقراطية والايديولوجيات الشمولية. فبينما سعت تلك الاخيرة الى تنظيم مجمل حياة الانسان من كل جوانبها, فإن الديمقراطية احترمت دوما حق الانسان في الاحتفاظ بتلك (الدائرة الخاصة) التي لا يحق للمجتمع التدخل فيها. ووفقا لوجهة النظر هذه, فإن الاجراءات التي اتبعها الكونجرس مع كلينتون مثلت انتهاكا للتقاليد والديمقراطية والقضائية في أمريكا. فمن الناحية التاريخية, فإن الشهادات التي يتم الادلاء بها أمام هيئة المحلفين لها طابع سري, وبالذات عندما تتناول أمورا خاصة. لذلك انتقد هؤلاء قرار مجلس النواب باذاعة ونشر كل ما يتعلق بفضيحة (مونيكا جيت) على أساس ان اطلاق حرية النشر ــ بدعوى (الشفافية) ــ ينتهك مبدأ آخر, وهو احترام (الخصوصية) . اما من حيث العلاقة بين الاعلام والديمقراطية, فإن المتابع للصحافة الامريكية سوف يلحظ اتجاهها ضد كلينتون. فقد دعته كبريات الصحف الى الاستقالة, والى وضع نهاية لتلك (المهزلة) التي وضع نفسه وأمريكا فيها. وتكاد تكون كل الصحف الكبرى, والاكثر ذيوعا وانتشارا, وقد سارت في هذا الاتجاه. ويثير هذا سؤالا هاما عن دور الصحافة في تشكيل الرأي العام, وفي التأثير على توجهاته. فاذا كان أحد حقوق الانسان, هو الحق في تشكيل رأيه بحرية, فإن ذلك يتطلب من الاعلام ان يطرح وجهات النظر المختلفة بشأن موضوع من الموضوعات, وان يعرض الرأي والرأي الآخر, بما يسمح للانسان بعد ذلك بتكوين وجهة نظره الخاصة به باستقلال ومن دون ضغط من هوس اعلامي. اما عندما تقوم أجهزة الاعلام بحملات عاصفة في اتجاه واحد, فإن ذلك لا يكون سندا للديمقراطية أو لبلورة رأي عام حر وديمقراطي. وهناك رابعا وأخيرا, اختلاف الرأي بشأن عزل الرئيس كلينتون أو استقالته. والذين يعارضون تنحية الرئيس, أو دعوته للاستقالة, يؤكدون على ان ذلك لا يتضمن دفاعا عن أخطاء كلينتون الشخصية, ويؤكدون على انه قد أدان نفسه. ولكنهم يعترضون على تنحية الرئيس لأسباب تتعلق بالسوابق الدستورية, وبالعلاقة بين الرئيس والكونجرس, وما اذا كان يحق للكونجرس ان يقوم بعزل رئيس صوت له المواطنون بأغلبية كبيرة, وعبروا في استقصاءات الرأي العام, التي جرت مؤخرا, وبعد الكشف عن كل جوانب الفضيحة الاخلاقية, عن تأييدهم للرئيس ورضائهم عن الطريقة التي يدير بها أمور البلاد, وعن رغبتهم في استمراره, واستكمال فترة رئاسته الثانية. ويرى أصحاب هذا الرأي ان ما يقوم به المحقق المستقل (ستار) والاغلبية الجمهورية في مجلس النواب, يتضمن خطأ بالغا وخطرا كبيرا, فإنهم ــ بتهديدهم الصدقية الشخصية للرئيس على هذا النحو الدرامي ــ فإنهم يدمرون في الوقت نفسه سمعة أمريكا وصدقيتها في أعين الآخرين. لذلك, اعتبر بعض المراقبين ان ما يحدث في أمريكا الآن هو تعبير عن شكل من أشكال (الانعزالية) , وعن تفضيل الأمريكيين التركيز على قضاياهم الداخلية على الاهتمام بدور أمريكا القائد في العالم, ذلك ان ما يحدث لا يمكن ان يوحي لزعماء العالم بالثقة في القيادة الأمريكية. وهذا المعنى عبر عنه الرئيس الفرنسي شيراك بقوله: (في الوقت الذي يواجه فيه العالم حالة من القلق السياسي والمالي الخطير, فمن الضروري لنا جميعا ان يكون الرئيس الامريكي قادرا على القيام بعمله على نحو كامل) . من الناحية الاخرى, فإن هناك من يعتقدون في ضرورة استقالة الرئيس أو تنحيته. فبالاضافة الى الجانب القانوني المتعلق بمدى مخالفة الرئيس كلينتون للدستور, فإن هناك من يرى ان سلطة الرئيس تجد منبعها في الزعامة المعنوية, والاستقامة الشخصية, بمثل ما تجد ذلك في أصوات الناخبين. فالرئيس هو نموذج وقدوة, يتطلع اليها الملايين. وعبر عن ذلك دان كويل نائب الرئيس الجمهوري السابق بقوله: (ان ثقة الامريكيين برئيسهم تمثل جزءا أساسيا من قدرتهم على الثقة بالنظام السياسي ككل) . ومؤدى ذلك, ان ما حدث من شأنه أن يقود ليس فقط الى زعزعة ثقة المواطنين بالرئاسة, وإنما بالنظام السياسي برمته. وقد يؤدي الى ازدياد انخفاض الاقبال على التصويت في الانتخابات. ويشير الداعون الى ضرورة عزل كلينتون الى عبارة تقول: (من المؤكد ان الاعتراف بادلاء بيان كاذب للمسؤولين الحكوميين, أو التدخل في أعمال مكتب التحقيقات الفيدرالي, أو وكالة الاستخبارات المركزية, هو عمل يستجوب تنحية مرتكبه من منصبه) .. هل تعرفون من قائل هذه العبارة؟!! انه الدكتور وليم (بيل) كلينتون, الاستاذ المساعد بكلية الحقوق بجامعة اركنساس في عام 1974 تعليقا على فضيحة ووترجيت. وكم في سجلات التاريخ من مفارقات!!