ثمة اجماع بين اللبنانيين على ان الصفات الشخصية التي يتمتع بها الرئيس اللبناني المنتخب العماد أميل لحود, وفي مقدمتها النزاهة والتجرد والابتعاد عن الفئوية والتمسك بحكم القانون , تؤهله لان يكون (المثل والمثال في كل ما يقتضيه الواجب ويفرضه القانون وتحتمه المسؤولية) كما قال هو عن نفسه ودوره في الكلمة الموجزة التي وجهها الى المواطنين بعد انتخابه. بيد ان هذه المزايا, على اهميتها, لاتكفي وحدها لتحويل انتخابات الرئاسة الاولى الى عملية تغيير جذري تنقل لبنان من حال الى حال. فالبلد الذي تقوم فيه ورشة اعمار كبيرة, يعاني من مشاكل كثيرة, معقدة, لايحلها تغيير شخص, حتى ولو كان هذاا لشخص هو رئىس الجمهورية, إنما ينبغي النظر الى هذا الاستحقاق الدستوري باعتباره فرصة لتأكيد واقع المؤسسات وابراز دورها, كذلك التمسك بالنظام الديمقراطي البرلماني الذي كان خيار لبنان منذ استقلاله, وهو ما يهبط بالتوقعات الى حدودها الواقعية والعقلانية بدلا من بقائها محلقة في اجواء التمنيات والاحلام. ان التجاذبات السياسية التي سبقت عملية التوافق على اختيار العماد لحود وتمحورت حول موقع الرئاسة الاولى ودور الرئيس أوحت وكأن انتخاب رئيس جديد للجمهورية يمّثل حلاً سحرياً لكل المعضلات القائمة, ابتداء من الازمة الاقتصادية المستفحلة وتوازن الانماء المفقود, وصولاً الى الوضع الاجتماعي الذي يزداد تعقيدا مع انتشار البطالة وتراجع معدلات الدخل على المستويين الفردي والعام الى مشاكل كثيرة اخرى. ولعل هذه الطروحات التي تركز على دور الشخص اكثر من دور المؤسسة, تؤدي الى احدى نتيجتين: اما ارباك دور الرئيس الجديد وتعقيد مهمته من خلال تقييده بنوع من الالتزامات غير قادر على الوفاء بها, وفي هذه الحالة يجري ربط فشله بظروف اختياره, او اظهاره وكأنه ضحية ضغوط تمارس عليه لتقييد حركته ودوره, وإما محاولة دفع الامور باتجاه اجراء تعديلات دستورية جديدة لتوسيع صلاحيات الرئيس حتى يصبح قادراً على القيام بالتزاماته, وهو المطلب الذي يطرح دائما من قبل البعض باعتباره حلا لتصحيح التمثيل الطائفي من جهة, وجعل التغييرات الجذرية المطلوبة ممكنة, من جهة اخرى. ان وثيقة الطائف والتعديلات الدستورية التي انبثقت منها أعادت تأكيد فصل السلطات وحددت مسؤولياتها على نحو جعل ممارسة السلطة التنفيذية منوطة بمجلس الوزراء مجتمعاً كما عزز من صلاحيات رئيس الحكومة. وهذا التوزيع الجديد للمسؤوليات, الذي استفادت منه رئاسة مجلس النواب ايضا, كان الهدف منه, كما هو واضح, تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية لاحداث توازن بين الرئاسات الثلاث. وبمعزل عن وجهات النظر المتضاربة في هذا الشأن وصواب أو خطأ كل منها, فان التعديلات الدستورية ارست واقعا جديدا بدت من خلاله مؤسسة الرئاسة الاولى وكأنها الاضعف والاقل نفوذا في لعبة التنافس بين المؤسسات الثلاث. ولكن اذا نظرنا نظرة متجرة الى هذا الواقع لوجدنا ان فوضى الممارسة وانفلاتها من كل قيد, تحت غطاء التنافس الطائفي والمذهبي والتي تضخم حجمه وتأثيره بعد الحرب الاهلية, هي المسؤولة بالدرجة الاولى عن تصادم المؤسسات والصلاحيات, ما أدى الى اضعاف المؤسسات نفسها لحساب القائمين عليها في توسلهم اكتساب مواقع جديدة داخل طوائفهم. هذا من جهة ومن جهة اخرى فان عملية التقويم السياسية لوضع مابعد اتفاق الطائف تجري دائما على اساس ما كان قائما من قبل وليس انطلاقا من مستلزمات ارساء صيغة متوازنة للحكم تقوم المؤسسات الدستورية نفسها, وليس الاشخاص بصفتهم ممثلين لطوائفهم, بالدور الحاسم فيها, فضلا عن ان التوازن لم يكن قائما في الماضي حتى يمكن الدعوة للعودة اليه, فان عملية التلاعب بالصلاحيات الدستورية, بنقلها من هنا الى هناك بين الحين والآخر, تصبح بمثابة لعبة لانهاية لها, وسيدور الصراع حولها باستمرار في ظل الوضع الطائفي المسيطر. اما اهتمامات اللبنانيين فانها تنصب على مسائل اخرى لا علاقة لها بالصراع على السلطة وتجاذباتها الشخصية والطائفية. فهي تتعلق بامور معيشتهم وبأوضاعهم الاجتماعية المتردية. ذلك ان اتفاق الطائف دعا بين امور رئيسية عديدة, الى تحقيق الانماء المتوازن في لبنان من خلال وضع خطة اقتصادية وانمائىة شاملة, على غرار ما فعله الرئيس الراحل فؤاد شهاب في مستهل عهده. فتحقيق الانماء المتوازن يضعف النفوذ الطائفي بالتأكيد ويعزز وجود الدولة, الدولة بمفهومها العصري الذي يعني تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية بين المواطنين بمعزل عن انتماءاتهم السياسية والطائفية والجغرافية. فهل يستطيعالرئيس الجديد ان يعالج هذه المعضلة ــ على سبيل المثال ـ ـ الى جانب المعضلات الرئيسية الاخرى, كارتفاع المديونية العامة الى حدود عشرين مليار دولار, واستشراء الفساد في اجهزة الدولة ومؤسساتها العامة, على مختلف المستويات مع تضخم الجهاز الاداري على نحو يجعل من لبنان دولة موظفين بامتياز؟ وهل سيكون في مقدور الرئيس وضع حل لمشكلة البطالة التي تزداد انتشارا بقدر ما يعم الركود ويتراجع الاقتصاد وتتقلص المداخيل الوطنية؟ ثم.. كيف يستطيع الرئيس مواجهة ما يسمى (نقص السيادة) من دون انهاء الاحتلال الاسرائىلي لجنوب لبنان وبقاعه الغربي؟ وفوق كل ذلك.. كيف يصبح الاهتمام بالمواطن اللبناني, بصفته انسانا اولا, ومواطنا لبنانيا, ثانيا, لا بصفته الطائفية والمذهبية, البند الاساسي في اهتمامات الرئىس,كما رأينا ذلك من قبل بين ثنايا خططالرئيسالراحل فؤاد شهاب الانمائية؟ ليس المقصود بذلك احراج الرئيس الجديد او التقليل من شأنه ودوره, انما إظهار ان رئىس الجمهورية لا يتمتع بقوة سحرية خارقة تتيح له العمل خارج إطار الصلاحيات التي يتيحها له الدستور, وخارج نطاق معطيات الواقع الراهن. ولهذا ينبغي عدم اطلاق العنان للتمنيات باحداث تغييرات جذرية غير مسبوقة من دون ان يكون لمثل هذه المشاعر اساس واقعي. غير ان باستطاعة الرئيس الجديد ان يحدّد مجالا اساسيا يركز عليه اهتمامه ويجعله شعارا لعهده, كتحقيق التنمية الشاملة التي تشكل بابعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية, العلاج الحقيقي والبعيد المدى للمشكلة الطائفية من جهة, وللخلل الاجتماعي من جهة اخرى وهما مشكلتان تقوم بينهما عناصر مشتركة. والرئيس المنتخب نفسه تجنب اعطاء الكثير من الوعود, إلا انه عبر بالمقابل عن تفهمه لآمال اللبنانيين ولرغبتهم في التغيير (لبلوغ الافضل سياسيا واداريا) واقتصاديا واجتماعيا) . واذا كان من الضروري فتح نافذة الامل على مستقبل أكثر اشراقا, وهو مافعله العماد اميل لحود بحذر بالغ, لكن الأهم من ذلك في الواقع هو اخراج عملية التغيير الدستورية من اسارها الطائفي المحض وتركيز الاهتمام بدلا من ذلك, على القضايا التي تتعلق ببناء الوطن واقامة (دولة جديدة وعادلة) وفقا لتعبير الرئيس الجديد. ومثل هذا الهدف تحققه دولة المؤسسات لا دولة الطوائف. كاتب لبناني مقيم في باريس*