يظهر تراجع العمل العسكري بين ايران وحركة طالبان, وكذلك بين تركيا وسوريا, ان خيار الحرب ليس حتميا, او على الاقل فإن الكثير من مسائل الخلاف يمكن تسويتها بالطرق الدبلوماسية والسلمية بين هذه البلدان. بيد ان الامر لم يكن كذلك في السابق . اقصد انه في العقود الماضية لم يكن التفكير يتم بهذه الصورة, فالاعمال العسكرية وتاليا الحرب, لم تكن تتطلب اسبابا اكثر وجاهة من تلك التي توجد بين الدول الاربع المذكورة. بيد ان هناك اليوم احساسا متزايدا بتكلفة الحرب وما قد تجره من ويلات على الدول والانظمة. ومع ان الحرب لم تكن تخلو في اي زمان من مثل هذه التكاليف, وليست الحروب الحالية هي الاستثناء. غير ان بعض الحقائق الجديدة الناشئة في نهايات القرن العشرين قد اخذت على ما يبدو طريقها الى اذهان وعقول القادة السياسيين والعسكريين في الكثير من الدول. وهي جعلت من التفكير في خيار الحرب امرا مستبعدا اكثر فأكثر. من بين هذه الحقائق انتهاء الحرب الباردة وسيادة القطب الامريكي الاوحد على العالم. وهذا ادى الى ان تفقد الحروب الاقليمية الكثير من جاذبيتها الدولية, ومن ثم الحظوة والعطف والاهتمام من جانب الدول الكبرى. ففي حين كان يجري استثمار وتوظيف الحروب الاقليمية في استراتيجيات الدول الكبرى, ومن ثم يجد الطرفان المتحاربان المساعدة والتأييد من جانب هذه الدول أو تلك. غدت مثل هذه الحروب اليوم عبئا زائدا على الجميع, ولم يعد احد مستعدا لتحمل تبعاتها, اذ ليس ثمة دافع او مبرر لذلك. في الوقت الذي اصبح فيه المجتمع الدولي ميالا اكثر لسيادة السلم والاستقرار في العالم. وهذا يعني ان كل حرب تقع بين دولتين تتحمل هاتان الدولتان تكاليفها وتبعاتها بالكامل. السبب الثاني يكمن في طابع وأهداف الحروب الحديثة نفسها والذي قد تغير الى حد ما. فمن النادر اليوم العثور على حرب نموذجية من ناحية قدرتها على الاقناع الداخلي وحشد مختلف فئات السكان حولها. ان نمط الحروب هذه كان قوميا وموجها في الغالب نحو صد العدوان الخارجي او تحرير أراض محتلة, وهو ما يصعب العثور عليه حاليا من بين الاسباب المحتملة لأي حرب حديثة. كذلك كان لتنامي وانتشار الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عامل مهم في هذا الجانب. فالشعوب اليوم اصبحت اكثر اطلاعا ومعرفة بما يدور من حولها. وهذا يعقد بدوره امكانيات تضليلها او الكذب عليه حول ظروف وأسباب وأهداف اي حرب يقرر هذا النظام او ذاك خوضها. وفيما يتعلق بإيران وطالبان مثلا, فمن الواضح ان ما منع وقوع الحرب بينهما, ليس فقط حجم الخسائر التي كانت تنتظر الطرفان وخاصة ايران. وانما ايضا غياب الدافع والمبرر القوي لمثل هذه الحرب. فاذا كان قتل الدبلوماسيين الايرانيين الاحد عشر في مزار الشريف هو الذي اجج مشاعر الانتقام والثأر داخل المجتمع الايراني, وهي مشاعر مفهومة ومبررة غير انها ليست كافية وحدها لشن الحرب, والتضحية بأرواح الآلاف عشرات الآلاف من الايرانيين, عدا الخسائر والتكاليف المادية الجسيمة. واذا حدث ذلك فإن الشعب الايراني نفسه سرعان ما سيثور في وجه قيادته, التي ستكون حينها قد ورطته في حرب لم تكن ضرورية. وينطبق الامر نفسه بالنسبة لسوريا وتركيا, فعلى الرغم من ان الاتراك جهدوا انفسهم في استفزاز دمشق ووضعوا المنطقة على حافة صدام عسكري, الا ان قبول سوريا للتحدي والسماح بنشوب الحرب, كان سيشكل خسارة فادحة لدمشق وللعرب ايضا. فالقضية محور الخلاف, الا وهي حزب العمال الكردستاني, لا تعتبر قضية مصيرية بالنسبة للسوريين, انها في افضل الاحوال ورقة بيد دمشق في ادارة العلاقات والازمات مع انقرة. ولذا لايمكن تصور ان تخوض سوريا حربا بسبب هذه المشكلة بالذات. ان هذه الظروف الجديدة التي يعيشها العالم, والمنطقة ليست استثناء في ذلك, تجعل من الحروب أمر ينبغي دعمه وترسيخه بالامتناع عن ابداء اي نوع من المساعدة او اعطاء المبررات لهذه الدولة او تلك للدخول في حرب. وبدلا من ذلك تشجيع الحلول الدبلوماسية والسلمية, فحين تشعر الدول بأنها ستتحمل وحدها التكاليف والخسائر سوف تفكر ألف مرة قبل قرع طبول الحرب. كاتب وصحافي بحريني*