تواجه القيادة الفلسطينية, في هذه المرحلة, وضعا في غاية الصعوبة, فالولايات المتحدة تراجعت عن مبادرتها غير المعلنة , بحجة انها لاتستطيع ان تقدم شيئا بمعزل عن رغبة الطرفين المعنيين (الاسرائيليين والفلسطينيين), واسرائيل من جهتها مصرة على تعويم الحكم الذاتي عند الحدود التي وصل اليها, وموعد انتهاء المرحلة الانتقالية باستحقاقاتها النوعية الكبيرة بات قريبا, من ناحية اخرى, فإن الاوضاع المحيطة بالساحة الفلسطينية تبعث على الاحباط, فمازالت القيادة الفلسطينية تعيش مشاكلها المتعلقة بادارة السلطة وتغييب دور المؤسسات, مرورا باشكاليات العملية التفاوضية, وصولا الى خيبة الامل الناجمة عن فشل الجهود المبذولة لعقد قمة عربية تكون سندا للفلسطينيين وعونا لهم في مواجهة محاولات الاستفراد الاسرائيلية بهم. في هذه الظروف الصعبة وغير المواتية, استأنفت القيادة الفلسطينية المفاوضات مع الطرف الاسرائيلي, التي عقدت في (واي بلانتيشن) برعاية وبمشاركة امريكية, على اعلى المستويات, والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا تستمر القيادة الفلسطينية بالعملية التفاوضية برغم كل المواقف الاسرائيلية المتعنتة؟, ثم هل ان الخيار التفاوضي هو الخيار الوحيد المتاح في هذه الظروف امام هذه القيادة؟ وهل تملك القيادة الفلسطينية وحدها حرية تحديد خياراتها؟ في الاجابة على هذه التساؤلات يمكن القول بأن الخيارات امام القيادة الفلسطينية محدودة جدا, على ضوء امكانات الساحة الفلسطينية وظروفها الصعبة والاستثنائية, والخيارات المطروحة تتراوح بين وقف العملية التفاوضية عند الحدود التي وصلت اليها, وبين الاستمرار بالعملية التفاوضية الى نهايتها, او الانتقال الى خيار مغاير تماما يتمثل باجراء مراجعة جدية للعملية التفاوضية وصولا ربما لاعادة النظر بها. الخيار الاول يبدو انه غير عملي بالنسبة للفلسطينيين في اطار الظروف السائدة, فضلا عن ان هذا الخيار يريح الطرف الاسرائيلي ويمكنه من الاستمرار بفرض الوقائع التي تناسبه والتي تعود بالضرر على الفلسطينيين, لذلك يبدو الخيار الثاني هو المعتمد حتى الآن, رغم كل التعثر المحيط بعملية التسوية, ويؤكد اصحاب هذا الخيار بانهم لايستطيعون ولا يملكون القدرة على الانسحاب من العملية التفاوضية, لاسباب عديدة ذاتية وموضوعية, على هذا الاساس يمكن تفهم الاسباب التي دفعت القيادة الفلسطينية لاستئناف المفاوضات مع الاسرائيليين, خصوصا انها جاءت تلبية لطلب امريكي, وهي عكست خشية واضحة لديها من حصول فراغ سياسي ما في عملية التسوية, خصوصا ان هذا الوضع تواكب مع تعثر جهود عقد قمة عربية تشد من اذر الفلسطينيين, وتملأ الفراغ السياسي في المنطقة على صعيد العملية السياسية. اما بالنسبة للخيار الثالث, المتمثل بمراجعة عملية التسوية, وصولا للبحث عن خيارات خارجها, فهو يكتسب شرعيته من التدهور الحاصل في عملية التسوية, والتي يبدو فيها الكيان الفلسطيني الناشىء عبارة عن كانتونات تعمل اسرائيل بكل جهد على خلقها على شكل محمية اسرائيلية, او على شكل كيان محدود الصلاحيات, مرتبط بألف خيط وخيط باسرائيل من مختلف النواحي: السياسية والاقتصادية والامنية, كما يكتسب هذا الخيار شرعيته من السياسات الاسرائيلية ذاتها, فاسرائيل هي التي تتنصل من الالتزامات المترتبة عليها وفق الاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين, وهي التي تعمل بكل جهودها, وعلى مختلف الاصعدة, للتنصل من استحقاقات عملية التسوية من اساسها, وعلى مختلف المسارات, سواء منها الاستحقاقات المتعلقة بالتسوية الثنائية, او الاستحقاقات المتعلقة بالتسوية الاقليمية, (الخاصة بقضايا التعاون الاقليمي), فضلا عن هذا وذاك فان هذا الخيار يكتسب شرعيته, الى حد ما, من الموقف الدولي, المتعاطف مع الفلسطينيين والذي يرى في المواقف الاسرائيلية المتعنتة تعارضا مع الارادة الدولية وتحديا لها. كل التطورات والوقائع تشجع على التوجه نحو هذا الخيار, اذ ليس من المعقول الاستمرار بهذه العملية التي تحولت في كثير من جوانبها الى غاية في حد ذاتها وقد بلغت حد المهزلة!, حيث تقوم مجموعة صغيرة من المستوطنين والمتطرفين الاسرائيليين بفرض ارادتها على مسارات عملية التسوية, وتاليا لذلك ليس من المعقول ان تقوم الحكومة الاسرائيلية, التي تمثل نصف الاسرائليين, بتحديد مصير المنطقة ورسم خريطتها الجغرافية غير عابئة بالارادة الدولية واضعة تصوراتها الايديولوجية والامنية ومصالحها فوق حقوق العرب ومصالحهم كما ليس من المعقول ان تفرض هذه الحكومة رأيها على الادارة الامريكية, برغم كل اشكال الارتهان الاسرائيلي للولايات المتحدة, وبالاساس فليس من المعقول فلسطينيا وعربيا الارتهان لخيار التسوية وحده في الوقت الذي تتهرب فيه اسرائيل من هذه العملية وتعلن فيه عدم حاجتها لها (الا في اطار شروطها التي تجعل من التسوية حالة لتلبية الحاجات الاسرائيلية), لاسيما وان اسرائيل تتحدث عن خيارات اخرى خارج عملية التسوية. بكل الاحوال فإنه من المتعذر على الفلسطينيين لوحدهم اعتماد هذا الخيار, فهم لايملكون القدرة, كما لا يملكون حرية اتخاذ قرار استراتيجي على هذا المستوى, فخيار التسوية هو من اصله خيار عربي, وهو جزء من الترتيبات الدولية والاقليمية, التي فرضتها المتغيرات والتطورات على هذين الصعيدين منذ مطلع التسعينيات, وهذا الخيار يتطلب العديد من الاستحقاقات كي يتحول الى خيار حقيقي وفعال وليس الى مجرد توجه خال من اي معنى, لانه في هذه الحال سيكون خيارا مريحا لاسرائيل بدلا من ان يكون مكلفا او مقلقا لها. كل المؤشرات تؤكد بان الاوضاع الفلسطينية والعربية السائدة غير مرشحة للقطع مع عملية التسوية, بسبب عدم القدرة ولا الرغبة في تحمل استحقاقات هذا الخيار: السياسية والاقتصادية والامنية, داخليا وخارجيا, ويبدو خيار الاستمرار في عملية التسوية وتمرير الوقت هو الاكثر ملاءمة للسياسة العربية السائدة, اما الفلسطينيون فهم الاكثر تضررا من هذا التكلس في السياسة العربية لانهم يدفعون ثمن ذلك من لحمهم الحي ومن عطشهم الى الهوية والحرية وبناء المستقبل. ولكن رغم كل ذلك, بامكان الفلسطينيين ورغم ظروفهم الصعبة والمعقدة, ومن موقعهم المتميز في الصراع العربي ــ الاسرائيلي, تحمل مسؤولية بلورة منهج يجمع بين الخيارين: الثاني والثالث, وهو منهج لا يفترض بالضرورة القطع مع العملية السياسية الجارية (للاسباب التي ذكرناها), ويبحث بنفس الوقت عن سبل اكثر فاعلية للضغط على اسرائيل وتحميلها كلفة مواقفها المتعنتة, من خلال تطوير المنهج الصراعي التفاوضي, وهذا المنهج يمكن في حال ادارته بالطريقة الفعالة الملائمة, ان يبقي افاق العملية السياسية مفتوحة الى حين توفر ظروف افضل تمكن مستقبلا من اعادة الاعتبار للحقوق والمصالح العربية, وفي مقدمتها حقوق الفلسطينيين, بكل الاحوال فان هذا المنهج يتطلب من القيادة الفلسطينية قوة الارادة والاستعداد لتحمل استحقاقات هذا الخيار الصراعي ان بالنسبة لاجراء مراجعة سياسية فلسطينية او بالنسبة لاعادة ترتيب البيت الفلسطيني على اسس: سياسية وديمقراطية ومؤسساتية سليمة, وبالنسبة لبناء مرتكزات الدولة الفلسطينية والقضاء على مظاهر الفساد وتنمية مجالات الاعتماد على الذات, وصولا لبناء العلاقات العربية ــ الفلسطينية على اسس جديدة تصون الحقوق الفلسطينية, وتعيد الاعتبار للبعد العربي للقضية الفلسطينية, ولكن كل ذلك بالطبع ليس مرهونا بارادة الفلسطينيين لوحدهم, وانما هو يرتبط والى حد كبير, بمدى الاستعداد العربي لذلك.