بالرغم من مرور ثماني سنوات على العقوبات الدولية المفروضة على العراق, لايزال النظام مقتنعا بامكان اخفاء برامجه أو بعضها, ولايزال مقتنعا بامكانية المحافظة على أسلحة محددة وبامكانية تجاوز الرقابة الدولية وافشال عمل اليونيسكوم , ولكن المشكلة التي تواجه العراق طويلة وشائكة, كما ان كل تأخير من قبل العراق يعود ويضر الشعب العراقي أكبر الضرر, ان قناعة العراق بالحفاظ على برامجه في ظل الرقابة الدولية تساهم بشدة في استمرار العقوبات الدولية على العراق. ولو تابعنا بعض التفاصيل التي تشير الى مدى صعوبة الموقف لوجدنا الآتي: هناك من جهة لجنة في الأمم المتحدة خاصة بالعقوبات أسست مع احتلال العراق للكويت, وهذه اللجنة مسؤولة عن كل شيء يخص العراق, وهي مسؤولة عن فرض العقوبات الشاملة, ليس فقط على النفط, بل على كل أنواع التجارة والسفر والطيران وغيره. هذه اللجنة مسؤولة عن طلبات العراق في ظل العقوبات من السيجار لمسؤولين عراقيين أو آلات الرياضة لاستخدامات رجال الدولة الى طلبات مواد زراعية الى اذن لاستقبال طائرة مساعدات. الحظر الشامل بدأ في هذه اللجنة عام ,1991 وهي لجنة تعكس مكونات وأعضاء وتوازنات مجلس الأمن وتأتمر بأوامر مجلس الأمن. اما لجنة الغذاء مقابل النفط فهي لجنة اخرى مهمتها تطبيق القرار الدولي الخاص بالغذاء مقابل النفط التي وافق عليها العراق بالتفاهم مع اللجنة الدولية. واللجنة الثانية لديها أعمال كثيرة وحسابات قانونية ومالية معقدة, إذ يقع عليها تقييم دائم لأسعار النفط وعلاقة ذلك بالمواد التي ترسل للعراق أو التي يحق للعراق شراؤها من خلالها, ويقع عليها مهمة تقييم كل سلعة وكل مادة تدخل العراق. وفي هذا كله يخضع العراق لمجلس الأمن. الشيء العالق اليوم بين العراق ومجلس الأمن مرتبط بقضية المراجعة الشاملة التي يطالب فيها العراق والتي يسعى من خلالها لوضع جدول زمني يحدد ما تبقى من قرارات مجلس الأمن وموعدا لانهاء العقوبات. ولكن هذه المراجعة تواجه مشكلات عدة والأمر أكثر تعقيدا مما يبدو للمتابع. فالخلاف بين العراق وبين مجلس الأمن هو في الأساس على تفسيرين, الأول هو التفسير العراقي الذي يربط امكان تعاونه مع فرق التفتيش باعادة النظر الشاملة وتحديد نهاية لقضية العقوبات. ويحاول العراق ان تكون اعادة النظر الشاملة مركزه في مجال التسلح. لكن الرأي الآخر هو توجه مجلس الأمن والذي يتضمن اجماعا تشارك به روسيا وفرنسا بضرورة ان يعيد العراق التعاون أولا قبل ان تبدأ عملية اعادة النظر الشاملة. ولكن حتى في اعادة النظر الشاملة هناك موقفان, الموقف العراقي ينطلق من ان اعادة النظر يجب ان تكون متمركزة في أمور التسلح, بينما موقف مجلس الأمن يؤكد على ضرورة ان تكون المراجعة شاملة للأسلحة بكل أنواعها, الا ان الموقف الأمريكي والبريطاني يركز على اضافة كل القضايا, اذ ينطلق من ان المراجعة الشاملة يجب ان تكون شاملة للأسرى الكويتيين, للممتلكات الكويتية واعادتها, للتعويضات, لحقوق الانسان في العراق ومعاملة الشعب العراقي, اضافة الى كل صغيرة وكبيرة في قرارات مجلس الأمن, وهذا الأمر يعود ويضع العراق في موقف خاص: هل يحسم أمره في علاج كل هذه القضايا بانفتاح أم انه عاجز عن السير في هذه الطريق لأسباب سياسية داخلية ولأسباب تتعلق بالطموحات العراقية الاقليمية والتسلحية. وتقف الولايات المتحدة اليوم موقفا يستبعد الحل العسكري (ولكن هذا الموقف قد لا يستمر الى ما لا نهاية) ولكنها من جهة اخرى ملتزمة بالقرارات الدولية وبتطبيقها نصا وروحا ومتمسكة باستمرار العقوبات الى ان يستجيب العراق للقرارات الدولية, وهذا هو مغزى قرار مجلس الأمن بايقاف المراجعة الدورية الخاصة بالعقوبات على العراق كرد على ايقاف العراق للتعاون مع اللجنة الدولية الخاصة بنزع الأسلحة العراقية. لهذا فإن بدأ العراق عملية التعاون من جديد فأمامه طريق طويل, فهناك الاسلحة التي لايزال يخفيها, وكان آخر تقرير في الواشنطن بوست يوم الاحد الماضي وبناء على أبحاث من مؤسستي بحث امريكية وروسية قد أكد اتفاق العراق مع شركات روسية عام 1994 لاقتناء أجهزة تدخل في صناعة الصواريخ البعيدة المدى, وانه هناك أجهزة ومواد غير معروف مكانها تكفي لتجهيز ثلاثين صاروخا. ان نشر هذا البحث وتوقيته يجعل المراجعة أكثر صعوبة, كما ان الازمات بين العراق ومجلس الأمن تبقى ممكنة في الشهور القليلة المقبلة. ولكن لو افترضنا ان العراق طبق كل ما يتعلق بقضايا التسلح دون ان ينهي القضايا الخاصة بحقوق الانسان والأسرى فمن الممكن ان ترفع العقوبات النفطية دون ان ترفع بقية العقوبات الخاصة بالتجارة والسفر والطيران والمواد ثنائية الاستخدام وغيره. هكذا هناك مستويات في العقوبات تتدرج من النفطي الى التجاري الى السياحي الى التكنولوجي الى العسكري, وسيكون هناك مراحل في عملية رفعها في حالة تعاون العراق الكامل. أما في حالة التعاون المؤقت ثم عدم التعاون فبامكان العقوبات ان تستمر لفترات طويلة وسط أزمات متعددة. كل شيء يتوقف على القرار العراقي النهائي, أي بين ان يسير العراق باتجاه التسليم الكامل وبين ان يرفض ذلك فيتأخر كل شيء ويكون الشعب العراقي هو الخاسر الحقيقي. المستشار الاعلامي الكويتي في واشنطن ــ استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت*