وسط الاخبار والتقارير المتضاربة بشأن التسوية والواردة من مريلاند الامريكية, ومن واي بلانتيشن, حيث تعقد ومنذ ايام اجتماعات ماراثونية مكثفة لا يستطيع المرء اخفاء دهشته بشأن تلك الظروف والملابسات التي سبقت الاجتماعات أو تلك التي صاحبتها . نعود بالذاكرة قليلا الى الوراء فنذكر اطلاق التصريحات بإعلان الدولة الفلسطينية في مايو المقبل. (للعلم فإن اعلانا سابقا للدولة الفلسطينية قد تم قبل عشر سنوات في الجزائر), ثم تعيين الجنرال ارييل شارون, الارهابي الاسرائيلي المخضرم, وزيرا للخارجية, المشادات الكلامية والتصريحات المتوترة الصادرة عن الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي في واي بلانتيشن. متزامنا مع حملات مكثفة لاعتقال العناصر النشطة المقاومة للاحتلال, خاصة في مناطق الحكم الذاتي. في وسط تلك الاجواء يحق لنا ان نتساءل عن موقع البراءة في كل تلك الاحداث. وهل كان تعيين شارون, قبيل تلك الاجتماعات مباشرة, مجرد صدفة أوجدتها الظروف الحالية التي تمر بها عملية التسوية؟ وهل اصبح شارون الخيار المنقذ لهذه العملية؟ وما هو الدور المتوقع لشارون في مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين, وفي صياغة الاتفاقات القادمة معهم؟ وهل ستُمحى تلك الصورة البائسة لشارون في الذاكرة الفلسطينية والعربية بفضل جهود المخلصين من دعاة السلام؟ قبل الشروع في الاجابة عن هذه التساؤلات, دعونا نلقي الضوء على هذا التحول المثير في حياة هذا الرجل الذي اصبح مرشحا جديدا للمشاركة في صنع السلام, منضما بذلك الى اسلافه من امثال مناحم بيجن واسحاق رابين وشمعون بيريز!! شارون... النجم الساطع في واي بلانتيشن بعد تعيينه وزيرا للخارجية مباشرة انضم شارون الى الوفد الاسرائيلي المفاوض في واي بلانتيشن, حيث اثبت بتاريخه ووزنه الثقيلين, حضورا مميزا لم يحظ به حتى رئيس وزرائه بنيامين نتانياهو. وقد برزت الصفة الجديدة لشارون في مهامه الحالية على الرغم من انه ينتمي الى المدرسة الصهيونية الداعية الى تفجير (خرافة السلام) وابدالها بالخيار العسكري. وليس صحيحا ما يردده بعض (شجعاننا) بأن تولي شارون مسؤولية الخارجية الاسرائيلية وقيادة المفاوضات مع الفلسطينيين هما مؤشران على نجاح سياسة (الاحتواء والاذابة) , والتي تحول بقدرة قادر صقور الكيان الصهيوني الى حمائم للسلام. وحتى لا يكون هذا الادعاء مجرد كلام يردد للتحامل على الحمائم الجدد, فإننا نذكر بتصريح شارون نفسه لصحيفة (معاريف) في 12/4/1998 حول أهم انجازاته في خدمة اسرائيل على مدى الخمسين عاما الماضية حيث قال: انه (حظي) بالمشاركة في كل الحروب مع العرب, وهي مشاركة مهمة في نظره, لكن الامر الاهم من ذلك هو الاستيطان اليهودي في كل الاراضي العربية المحتلة, في الجليل, والنقب والغور وهضبة الجولان ويهودا والسامرة وقطاع غزة. وأضاف: لقد تمكنت من المشاركة في اقامة 230 مستوطنة وموقعا في ارجاء البلاد. يضاف الى انجازاته الاستيطانية الخطة المعروفة باسمه, والتي وضعها عام 1990, وهي المعروفة كذلك بــ (خطة النجوم) , وذلك لبناء ثاني اكبر مدينة استيطانية بين القدس وتل ابيب وتستوعب نحو ربع مليون مستوطن يهودي وتحت عنوان (شارون وزيرا للخارجية: صفعة اخرى للسلام) , أوردت مجلة (المشاهد السياسي) في عددها الاخير الصادر في 18/10/1998 تقريرا في شأن تاريخه الحافل في الحروب مع العرب. وأبرزت اهم مواقفه المعبرة عن قناعاته الصهيونية, والمتمثلة في تأييد الاستيطان في الضفة الغربية, ومعارضة تحويل مزيد من الاراضي الى الحكم الذاتي الفلسطيني, وتمسكه بمواقفه العدائية تجاه عملية السلام برمتها, ويضاف الى ذلك ــ بطبيعة الحال ــ تاريخه الطويل في قمع الفلسطينيين داخل الارض المحتلة, بل ومطاردتهم خارجها, ولعل احد اهم انجازاته في هذا الصدد هو انه كان وراء الغزو الاسرائيلي المأساوي للبنان عام 1982 والذي انتهى بابعاد القيادة الفلسطينية الى تونس بعد الحاق خراب ودمار هائلين في ارجاء لبنان. ذكرت المجلة تفسير نتانياهو لتعيين شارون في منصبه الجديد, حيث قال: ان لدى شارون خبرة كبيرة في مجالي الامن والسلام, وانه سيستخدم مهاراته وخبراته لصالح مسيرة السلام وأوردت المجلة كذلك تفسيرات لمراقبين آخرين لحركة تعيين شارون, منها ان نتانياهو يريد متشدداً قوياً يقف الى جانبه لمساعدته على مواجهة اي ضغط امريكي عليه لتقديم تنازلات في مسيرة السلام, ووصفت المجلة تفسير البروفيسور آفي شلايم, المتخصص في الشؤون الاسرائيلية في جامعة أوكسفورد بأنه أكثر التفسيرات اقناعاً. ويشتمل على عدد من العناصر هي (انه من المؤكد ان نتانياهو لم يرغب في ان يكون لشارون منصب وزاري قوي, يمكنه من تحديه وتهديد قيادته, الا ان رئيس الوزراء لم يكن لديه اي خيار, اللهم الا ان يمنح منافسه القديم منصباً مهماً وسيعمد نتانياهو في الأيام المقبلة الى تقديم تنازلات محدودة للفلسطينيين بشأن الأرض, اما الثمن الذي يدفعه رئيس الوزراء الى اليمين المتصلب في اسرائيل فهو تعيين شارون في منصب وزير الخارجية, ويمكن لليمين ان يطمئن الى انه لن تكون هناك تنازلات رئيسية اخرى, خصوصا فيما يتعلق بقضية الدولة الفلسطينية, باعتبار انه الشخص الذي سيمثل اسرائيل في المفاوضات اللاحقة على اعلى المستويات ويؤيد شارون سياسة (الأردن هي فلسطين) , والأمر بالنسبة إليه ليس مسألة خيار. فلابد للمرء أن يذكر أن شارون بطل مرموق بين المستوطنين اليهود. فخلال فترة توليه منصب وزير الاسكان أوائل التسعينات ترأس أكبر مشروع بناء في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ بدء الاحتلال في يونيو عام 1967. ولا يعقل ان يقبل بأن تقوم دولة فلسطين في الأرض التي احتلت خلال تلك الحرب. وبالقدر ذاته من المؤكد ان صوته سيكون الأعلى في الوزارة الاسرائىلية مطالباً بإجراء عسكري ضد الفلسطينيين, اذا ما أعلنوا ــ كما هو متوقع ـ الدولة الفلسطينية المستقلة في مايو المقبل. وختمت المشاهد السياسي تقريرها بالقول انه يبدو أن المستقبل سيذكر اليوم الذي تم فيه تعيين شارون وزيراً للخارجية بأنه يوم أسود بالنسبة الى مسيرة السلام في الشرق الاوسط. مسلسل اغتيال الذاكرة مستمر الغريب أنه على الرغم من الخلفية التاريخية لشارون, الحافلة بالارهاب والعدوان, وسيرته الذاتية الملوثة بدماء العرب والفلسطينيين فإن هواة اغتيال الذاكرة العربية لم يلتفتوا الى كل ذلك. وعبر عنهم ــ مؤخرا ــ أحد المناضلين (سابقا) حيث اعتبر مسألة تعيين شارون أمراً طبيعيا, بل وايجابيا يخدم عملية السلام!. وقد استشهد صاحبنا في هذا السياق بمثال مناحم بيجن الذي تحقق على يديه السلام مع مصر. والغريب ان هذا الصوت الغريب, وفي سياق اندفاعه المحموم نحو التسوية مع الكيان والتطبيع معه غير مستقر في تقييمه للقوى الاسرائيلية والاتجاهات السياسية فيها. فهو تارة يتعاطف, الى درجة الانتصار والتأييد, مع حزب العمل والاحزاب اليسارية الاسرائىلية باعتبارها تمثل التيار المعتدل المتفهم للمطالب الفلسطينية, والجانح نحو السلام والتعايش مع الفلسطينيين. ويسوق لإثبات هذا الأمر المبررات المتهافته, ولا يعدم هذا الصوت مبررات أخرى للتعامل مع من يطلق عليهم الصقور. وأحسب أن مثل هذه الاصوات ومبرراتها, انما نشأت نتيجة لذلك الخلل في تصنيف الاسرائيليين الى معسكرين متطرف ومعتدل. وانه توجد فروق واختلافات حول مبادىء وأهداف المشروع الصهيوني في الارض العربية. والأمر بالتأكيد ليس كذلك, وإنما هو اختلاف حول كيفية تحقيق تلك الاهداف حسب اولوياتها بالنسبة لذلك المشرع, لا على ثباتها ووجودها, لتوضيح ذلك, فإنه لا يوجد خلاف بين نتانياهو الليكودي (المتطرف) وبيريز العمالي (المعتدل) , حول قضايا مثل السيطرة الكاملة على الارض, وتهجير الشعب الفلسطيني ونفيه, وبناء الدولة الصهيونية وتحقيق الهيمنة السياسية والاقتصادية على المنطقة ونهب ثرواتها. كما انه لا خلاف بين تلك الاطراف على إلغاء الحلم الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره بعد استرجاع الحقوق المغتصبة. هذا عن شارون ودوره (السلمي) الجديد. اما ماجرى في واي بلانيتشن من مشاهد قبل التوقيع فيستحق منا وقفة اخرى. مدير جامعة زايد بالإنابة*