كان الحلم الكابوس يطاردها في نومها.. نقطة دم صغيرة في حجم رأس الدبوس.. تكبر.. وتكبر.. حتى تصبح بركة حمراء تغرق فيها.. وعندما تصرخ ينحشر صوتها ... لا يخرج.. تخنقه حنجرتها.. ثم يظهر رجل لا ملامح له.. كأنه من السلويت الاسود.. يشعل سيجارة.. ويلقى بعود الكبريت في البركة الحمراء فيتحول الدم الى نار.. تحرقها.. تشويها.. تشوها.. وفي هذه اللحظة تهب مفزوعة من نومها وهي غارقة في عرقها.. تقرأ ما تيسر من كلام الله الذي يهدئ النفوس. في الصباح كانت أمها تقول لها: لا تجزعي يا حبيبتى.. الدم يفسد الحلم.. والنار لا تحرق مؤمنا.. ونور النهار يبدد سواد الليل.. والشمس لو غابت فانه سرعان ما يظهر القمر. كانت ترد على امها قائلة: لكن الدم يا أمي يفسد الواقع ايضا.. والنار التى لا تحرق مؤمنا قد تحرق مظلوما.. والنهار يأتى بكابوس آخر نراه في عيون الناس التى لا ترحم.. والقمر الذي يظهر باختفاء الشمس يأتى بالاحزان.. لا الحنان. هذا المشهد بصورته المهزوزة وحواره الذى يكسر القلب هو جزء من مأساة فتاة من عائلة متوسطة.. تحمل درجة الدكتوراه في علم الاحياء.. تجاوزت الثلاثين.. تعرضت منذ سنوات لحادث اغتصاب.. وعبرت عما جرى في عشر صفحات حملت مواجعها.. وكانت شجاعة منها ان تطالبنى بنشرها.. وقد وجدتني استدعيها من ذاكرتي واوراقى وانا اتابع ما نشر في (الاهرام) حول (اجهاض المغتصبة واعادتها عذراء) . لقد فجر هذه القضية الحساسة الزميل عبدالمعطى احمد في الباب الاسبوعي (مع القانون) .. وكان ذلك على لسان المستشار عبدالمنعم اسحاق نائب رئيس هيئة قضايا الدولة الذي تحمس لبقاء المادة (290) من قانون العقوبات المصرى التي جعلت الاعدام عقوبة جريمة الاغتصاب مثلها مثل عقوبة القتل العمد.. فلا فرق بين زهق الروح وبين كسرها.. ولا فرق بين دفن فتاة في القبر وبين دفنها في الذل. ان الضحية المغتصبة تشعر برائحة عفن مزمنة في انفها وجلدها لا تقدر على ازالتها كل العطور.. ويفزعها اقتراب الرجال منها.. وكأنها تقترب من مصنع مفرقعات.. او منجم كبريت.. او محطة بنزين مشتعلة.. وهي تميل الى الانزواء والانكماش.. تنعزل عن الناس.. والأخطر انها تصاب بالوسواس القهري.. فترى الزواج خطيئة.. وانجاب الاطفال عارا.. والحب خدعة يجب الفرار منها.. وحسب ما يقول معظم الاطباء.. تحتاج الضحية الى ثلاث سنوات من الرعاية النفسية والاسرية والاجتماعية حتى تسترد ثقتها فيمن حولها.. وفي كثير من الاحيان يكون الفشل من نصيبها.. واغلب الظن ان ضحايا الاغتصاب في مصر لا يذهبن للعلاج النفسي.. ليس بسبب تكلفة العلاج المرتفعة فقط وانما للخوف من المجتمع ومن تذكر ما حدث ايضا.. ان الضحية تريد ان تنسى.. وتتصور ان ذلك ممكنا بتجاهل الذاكرة.. وهو ما يقضي عليها تماما وهي على قيد الحياة.. وقد ارتفعت عقوبة الاغتصاب الى سقف الموت منذ 1980 عندما تكررت حالات الاغتصاب حتى روعت الناس وافزعت الصحافة والسينما والشرطة.. وعرف بعض الجناة طريقهم الى حبل المشنقة فعلا.. لكن.. المستشار عبدالمنعم اسحاق لا تعجبه المادة (291) من قانون العقوبات والتي تسقط العقوبة تماما عن المغتصب اذا ما وافق على الزواج من ضحيته.. وهو ما يعني ان القانون الذي يوصل الجاني في احد المواد الى حبل المشنقة يمنحه البراءة ويفتح له الباب للنجاة من جريمته والخروج منها كما تخرج الشعرة من العجين في المادة التالية مباشرة. وتفرق هذه المادة بين الجاني الذي يغتصب زوجة ويكون مصيره الاعدام لانه لا يستطيع ان يتزوجها.. والجاني الذي يغتصب فتاة وتكون الحرية من نصيبه لو وافق على الزواج منها.. فأي قانون هذا الذي تتراوح العقوبة فيه بين الاعدام والزواج.. بين الشنق والبراءة؟ ان تطرف العقوبة على هذا النحو ينقذ الزوجات.. ويذبح الفتيات.. بل أكثر من ذلك يغري هذا التطرف في العقوبة الجاني بالتربص بأي فتاة لا يطولها.. فيكسر جسدها وروحها.. ثم يعرض الزواج على أهلها.. فاذا ما تم.. يكون الطلاق.. وربما بمقابل.. وهكذا تتكرر الجريمة بمباركة القانون وتشجيعه.. وتتحول الى استثمار وابتزاز.. والى لعبة أرخص من العاب الملاهي والموالد. لقد أغتصبت أستاذة الجامعة وهي في بيتها من السباك ومساعده.. كانت تبحث في مراجعها.. بينما كانت الأم المشلولة في حجرتها.. وفجأة وجدتهما يقتحمان غرفتها.. وفي ثوان نجحا في شل حركتها.. وإغلاق فمها.. ثم كان ماكان.. وقد قبض عليهما.. وفي المحاكمة تنازع السباك ومساعده حق الزواج في الضحية.. فهذا الحق يمنح من يحصل عليه البراءة.. ويدفع الأجر الآخر الى المشنقة.. وهو ما يعني اختلاف الحكم على من ارتكبوا نفس الجريمة.. وقد رفضت الضحية المبدأ وأصرت على أن ينالا العقاب. وتزداد السخرية لو ارتكب جريمة الاغتصاب ستة أشخاص كما كان شائعا.. فهل يتزوج هؤلاء الستة الضحية واحدا وراء الآخر؟.. أم يتزوجها واحد منهم ويشنق زملاؤه؟ ويروي المستشار عبد المنعم اسحاق أن أحد الشبان تقدم للزواج من فتاة. ولما كان لا يصلح لها فقد رفضه الأب.. فاذا به يخطفها ويغتصبها رغما عنها ليفرض زواجه على الجميع بالقوة والبلطجية والأمر الواقع في ظل المادة (291).. ثم يبدأ بعد ذلك في مساومة الأهل لابتزازهم حتى يخلصوا هذه الفريسة من أنيابه.. ويحصلوا على الطلاق. ثم.. ماذا لو كانت ديانة الضحية غير ديانة الجاني؟.. ولو كانت هناك فروق في السن والتعليم والثقافة ورؤية الحياة والطموح والثقة بالنفس؟.. ان كل شيء يقبل الاختلاف الا الزواج.. يجب ان يتم بالاتفاق.. ومن ثم هناك ضرورة لالغاء المادة 291.. وان ينال الجاني العقاب دون تحايل او استثناء.. ولا يعصم هذه المادة من الإلغاء كما يقول المستشار عبد المنعم اسحق (انها قد ظلت مائة عام او يزيد) .. فالخطأ لا يبرر الخطأ.. واستمرار الخطأ لا يمنع تصحيحه. وأتصور أن القانون ــ الذي ينتمي الى القرن الماضي ــ سمح بهذه المادة لمنح الفتاة المغتصبة شهادة بأنها لم تفرط في نفسها وفي شرفها.. وان الخطأ الذي وجدت نفسها فيه قد كان غصبا عنها ورغم أنفها.. وانه جرى تصحيح ولو صوريا بالزواج.. أي زواج على الورق فقط.. فالغالب ان الزواج يعقبه طلاق وورقة الطلاق هي حكم براءة من العار في مجتمع لاتزال العذرية احد أعمدته الأساسية. كذلك فان لقب مطلقة أرحم ــ على ما يبدو ــ من لقب مغتصبة.. فلقب مطلقة يعطي الضحية فرصة أخرى للزواج دون متاعب ودون حاجة لان تروي ما جرى لها.. أما لقب مغتصبة فهو يفتح باب الشك.. وعدم التصديق خاصة بعد مرور فترة من الزمن.. ولا يمكن للضحية في هذه الحالة أن تمشي وفي حقيبة يدها ملف قضية اغتصابها وحكم المحكمة. وبعيدا عن الاغتصاب هناك تجارة سرية للزواج الصوري الذي يعقبه طلاق فوري.. وهو ما يوصف بزواج على ورقة طلاق.. وهو حل تلجأ اليه بعض الاسر الثرية او المستورة لانقاذ ابنتها التي هوت في علاقة غير شرعية.. فتصبح مطلقة بدلا من خاطئة.. لكن.. القانون في حالة الاغتصاب هو الذي يقوم بالتحايل.. فالزواج الذي يسمح به هو زواج بين ضحية وجزار قرقش عظامها كقطع الخبز الجاف وشرب دمها وكأنه مياه غازية وعجن لحمها من حبات عرقه.. هو زواج بالأكراه.. الجاني فيه قطعة حجر والضحية آنية من فخار.. هو زواج يفتقد الشروط الضرورية للارتباط المقدس.. الاحترام.. الحب.. القبول.. الود.. الرحمة.. فالزواج ليس مجرد ورقة رسمية مستوفاة الرسوم نشهرها في وجه الآخرين وانما هو قرار من السماء استمرت عليه الحياة.. هو سكن ولباس ودفء وأطفال واحلام وليس عقوبة بديلة لعقوبة الإعدام.. نكافىء بها الجناة في جرائم الاغتصاب.. ومن ثم لا مفر من اعادة الاحترام والقدسية والفهم والوعي للقانون والغاء المادة 291. والاكثر من ذلك ان هذا الزواج ليس زواجا شرعيا حسب ما قاله الدكتور نصر الدين فريد واصل مفتي البلاد في مصر الذي يؤيد إلغاء هذه المادة لأنها (تقوي مركز الجاني على حساب المجني عليها) وهناك ما هو أهم في قضية الاغتصاب وهو حق لا يبيح الاجهاض لهذا السبب.. ويحرم ويجرم التخلص من الجنين الذي تكون من هذه النطفة الملوثة بالدنس.. لقد طالب المستشار عبد المنعم اسحاق بتشريع يبيح للضحية تنظيف ما في بطنها.. ان ذلك يهدىء من روعها.. ويخفف من متاعبها.. ويزيل من أمام عينيها تجسيد ما حدث في صورة طفل فرضته الجريمة عليها.. ويعفيها من اللجوء الى عيادات الاجهاض التي تتجاوز القانون.. والتي يمكن ان تكلفها حياتها.. فاذا كان سوء الحظ قد وضعها في ظرف الاغتصاب.. والحمل من الجاني.. فلماذا لا يكتمل سوء الحظ بالموت في عيادة اجهاض سرية وقذرة؟ ويرى المفتي انه (لا مانع من اجهاض ضحية الاغتصاب شرعا بناءً على ما اجازه بعض الفقهاء وأقره مجمع البحوث الاسلامية قبل أن يمضي على الحمل مائة وعشرون يوما.. واذا أجاز ذلك في الحمل الحلال فهو من الحرام أولى. انني مع المستشار والمفتي في هذا التشريع.. لكني لست معهما في اعادة عذرية الضحية بعملية جراحية.. على أن يصدر ذلك بتشريع.. إنني أفهم سبب انحيازهما لهذا التشريع.. وهو ان (تستطيع هذه البائسة ان تحيا بين أفراد مجتمعها وقد استردت شرفها وكرامتها) فتلك كما يقول المستشار (اقل ترضية يقدمها المجتمع لهذه الفريسة التي لم يرحمها أو يرفق بها أحد أفراد مجتمعها من الضالين الآثمين) . هذات صحيح.. ولكن.. الصحيح أيضا ان عملية اعادة عذرية الضحية التي أقرها المفتي ويدعو اليها رجل القانون فيها خداع لشخص آخر هو الرجل الذي يتزوجها.. والذي من حقه أن يعرف كل شيء بوضوح وصراحة وان يقبل او لا يقبل.. حسب مساحة الوعي والفهم والثقة في النفس التي يتمتع بها. ان شرف الفتاة ليس فقط في عذريتها وإنما في صرامتها وشجاعتها.. وما بني على غش فهو غش.. والزواج لا يقوم على الاخفاء والتحايل.. حتى لو كان تحايلا انسانيا له دوافعه.. وينظمه القانون.. فماذا لو اكتشف الزوج ان زوجته خدعته.. واستغفلته.. لا يكفي هنا أن تضع بينها وبينه القانون.. فالقانون الوضعي مهما كان منصفا وله مبرراته لا يرقى الى مستوى المكاشفة بين الزوجين.. انني ارفض تغطية جريمة بجريمة اخرى.. وتجاوز الاغتصاب بالخداع.. وقد خلق القانون لينظم حياة الناس ويعيد الحقوق الى اصحابها.. لا ليعلمهم الكذب. ربما.. يمنح الطب الشرعي الضحية شهادة بما جرى.. لبراءتها.. ولرد اعتبارها.. ويجب ان يتم ذلك بحكم محكمة حتى لا نفتح بابا للفساد ونجد أنفسنا أمام تجارة جديدة.. رائجة.. هي بيع شهادات العذورية.. تماما مثل تجارة شهادات الاجازات المرضية. والأهم من الحبر على الورق هو العلاج النفسي للضحية .. فليس صحيحا ان الزمن كفيل بالنسيان.. وليس صحيحا ان الروح التي تنكسر يسهل اعادتها الى ما كانت عليه.. انها في حاجة الى وقت وخبرة وطرق حديثة في العلاج.. وهو ما يكلف اموالاً ربما لا تكون في وسع الضحية ولا أسرتها.. لذلك فان التشريع الذي يجب اضافته ايضاً هو ان يكون العلاج على نفقة الدولة.. وهو ما يحدث في كل الدول الغربية على الاطلاق.. حيث جريمة الاغتصاب تطال 15% على الأقل من النساء.. وحيث سمحت دولة مثل الولايات المتحدة للنساء فقط باستخدام وسائل الدفاع الشخصي.. وفي رحلة أخيرة الى هناك وجدتهم يبيعون حزاما جديدا للعفة. لكن... العفة لا يمنع فسادها الف حزام وألف قفل.. ولا العذرية يمكن استعادتها بالتزوير.. ولو بالقانون.