في أسبوع واحد هاجم أحدهم أثرياء الخليج في الوقت الذي كان فيه ثري من أثرياء الخليج يقيم عرسا عربيا للثقافة والفن والأدب في بيروت, فبينما كان الذي شن هجومه لا يرى في الثراء والاثرياء سوى سوءاتهم وعوراتهم , ويكشف عن رؤية قاصرة لمال الخليج وأثريائه ويراه شرا كله, كان ثري يقدم النموذج الفذ لمال الخليج, ويقدم البرهان على أن الشطارة والفن والنجاح ليس في جمع المال, بل في كيفية انفاقه. وهكذا فقد أساء صحفي لبناني الى أثرياء الخليج, والامارات بخاصة, وهو يصب عليهم جام حقده ونظرته العمياء القاصرة, لمجرد أن ثريا صغيرا شوهد مع عارضة في احدى المجلات, فاعتبر ان الاثرياء الخليجيين لا عمل لهم في الليل سوى مرافقة الحسان وتبذير الأموال في المرابع, أما في النهار فعملهم جمع المال طبعا, فعمم السفاهة على الجميع دون استثناء, وكأنه لا يوجد من السفهاء الا في الخليج, وفاته مثلا ان في بلده منهم الكثير من الاثرياء أيضا, لولا أن عين الرضى عن كل عيب كليلة وعين السخط تبدي المساويا. والرد العملي على مثل هذا الصحفي وغيره من العرب الذين لا يرون فينا سوى حفنة دولارات وشهوات, هو الاحتفال الضخم الذي أقامته في بيروت وجونيه مؤسسة جائزة عبد العزيز البابطين للشعر, واستمر أياما مليئة بالندوات والامسيات الشعرية والموسيقية, وبالاحتفاء الأهم بالشاعر العظيم الاخطل الصغير, حيث حملت الدورة الحالية للجائزة اسمه, وحيث كانت هذه النشاطات تعج بالأدباء والكتاب والمفكرين اللبنانيين والعرب على السواء ممن استضافتهم المؤسسة. وبما أن البابطين ليس يابانيا ولا تركيا ولا أمريكيا ولا سويسريا, بل كويتي وخليجي وعربي, فإن ماله أو جزءا منه, لم ينفقه في بيروت هذه الدورة, ولا في الدورات السابقة في القاهرة وفاس وأبوظبي, على لعب القمار في كازينو لبنان ولا على الراقصات في شارع الهرم ولا على غيرها من الممارسات الشاذة, بل على الثقافة والفن, وعلى جمع أعمال شاعر عربي راحل وتحقيقها وتقديمها للمواطنين العرب في مجلد فاخر, فإن صحفيا عربيا مهما كان عماؤه لابد أن يتريث قبل أن يتهم أهل الخليج على عمومهم بالفساد, الا اذا كان هذا في عينه خشبة تحجب رؤية الجمل, فنغض الطرف عنه يأسا. وكنا اعتقدنا ان زمن اتهام الخليجيين وحدهم, بسبب ما يعتقده بعض العرب في ثرائهم ونفطهم, قد ولى خاصة بعد حرب الخليج الثانية, التي كشفت لمن يعقل ويبصر ويرى, ان هناك من هو أغنى من الخليجيين ودول الخليج, نفطا ومالا وثروات وامكانيات, نهب أغلبها لصالح زعامات وقيادات حتى باتت شعوب دول غنية على حافة مجاعات وأوبئة وتخلف مريع, لولا أنه للأسف لايزال هناك من لا يستطيع ان يرى غنيا إلا خليجيا, ولا يرى سفيها في الدنيا إلا ثريا وينبغي أن يكون خليجيا مرة أخرى. طبعا لا ندافع عن السفهاء, فهؤلاء موجودون في كل زمان ومكان, وفي كل دولة وأمة, كما أن السفيه لا يحتاج الى مال لكي يكون كذلك, مما لا نعتقد أن بعض الذين يهاجمون الخليجيين يريدون فهمه, حتى وهم يعلمون أن في بلدانهم من السفهاء الأثرياء والفقراء على السواء ما يفوق شعر الرأس, لذلك فهم يصرون على أنه لا يوجد أثرياء سوى في الخليج ولا يوجد سفهاء إلا عندنا, مع أن أغنى أغنيائنا لا تصل ثروته الى ربع ثروة ثري أمريكي أو ياباني أو سويسري مثلا. ونختم بأن الرد العملي على النظرة القاصرة تلك وعلى الروح العدوانية ضد الخليجيين يأتي من كوكبة كبيرة من أثريائنا الذين لهم في ميادين الخير خيول تتسابق, فنرى أعمالهم البيضاء في مساجد ومدارس وجامعات ومستشفيات ومراكز ثقافية وخيرية وغير ذلك من أعمال البر, يستطيع من له عينان ليس عليهما غشاوة أن تراها شامخة, أما الذي لا يملك هاتين العينين فلا يرى سوى السفهاء الذين ندعو الله ألا يؤاخذنا بما يفعلون.