ايامنا أصبحت نسخا متكررة نبعثرها على العمر الذي يرحل, ودون ان نهتم كثيرا فنحن لانفرق حتى بين يوم العمل ويوم الاجازة .. نحن نعمل حتى في اجازاتنا, ولذلك أستغرب من الذين يدعون البهجة لأن غدا اجازة! تقول لصديقك الذي يعاتبك او لشقيقك: ولكننا كنا معا منذ يومين, فينعش ذاكرتك المعطوبة قائلا: لقد مضى على آخر لقاء بيننا اكثر من شهر! فأين ذهب فارق الايام, تسأل نفسك, عندها تعرف انه ذهب مع الريح مثلما ذهب العمر كله. أحد المعاهد المتخصصة في دراسة السلوكيات الانسانية يقدم هذه (الجردة) العجيبة لما يقوم به الانسان خلال حياة متوسطة: فبما مقداره ثمانية ايام من هذه الحياة نستغرقه في ربط الاحذية, وشهر واحد في انتظار اشارة المرور, وشهر لتدوير ارقام الهواتف, وثلاثة اشهر لركوب المصاعد , وثلاثة اشهر لتنظيف الاسنان بالفرشاة و15 شهرا في انتظار الحافلات, وستة اشهر من اعمارنا نقضيها في الحمام, وفي خلال حياة متوسطة نقضي سنتين في قراءة الكتب, واربع سنوات في تناول الطعام, وتسع سنوات لكسب الرزق, وعشر سنوات في مشاهدة التلفزيون و 20 سنة في النوم! هذه الجردة بالتأكيد لا تنطبق على الجميع, وان انطبقت فليس بكل جزئياتها لكننا جميعا مطالبون بمعرفة اجابة هذا السؤال: هل ننظر بطمأنينة وراحة بال لكل ما نقوم به خلال يومنا من اعمال؟ وهل تشبع هذه الاعمال احتياجاتنا الحقيقية؟ خذوا مثلا: ضياع الوقت على الهاتف اكثر مما تستدعيه الضرورة والحاجة, وهنا يتساوى الرجال والنساء فلم تعد الثرثرة تهمة نسائية كما كانت سابقا خاصة بعد ان اصبح الجميع يسيرون في الطرقات والاسواق يحدثون انفسهم عن طريق سماعات الهاتف المحمول. وماذا عن اوقات راحتنا واجازاتنا, هل نقضيها كما ينبغي دون ان نقحم فيها اوراقنا وملفاتنا, وكتبنا وهواتفنا المحمولة, والكمبيوترات الشخصية, ومشاكل الخدم والاولاد, وازعاج الجيران, وواجبات الاصدقاء.. الخ. فهذه كلها تنام معنا على السرير ذاته, وتلتحف الاغطية قبلنا على اسرة الراحة. ومعها نتسامر طوال الليل, وبها نحلم, وفي الصباح نوهم انفسنا بأننا كنا نائمين, وها نحن قد صحونا, وفي الحقيقة فإن العكس هو الصحيح. نحن نخلط الامور كثيرا, واكثر مما يجب, ثم نتهاون في هذا الخلط حتى ندمنه, فنعاني ونشكو , ثم نعود لممارسة داء الشكوى بتناقض عجيب. نحن مطالبون بأن نعرف كيف نعبر هذا المأزق, فأوقات العمر لا تتبادل مع بعضها ابدا, وليس بالامكان ان تستمتع بالعمر الجميل حينما يقول لك الربيع وداعا ويعلن الخريف بداية سطوته, عندها تنتبه ان العمر قد تساقط منك وانت تنتظر الاشارة او تربط الاحذية او تذهب للعمل وكأنك تقضي عقوبة سجن مؤبدة. هناك حياة تهدر خارج الجدران, وقلوب ترف حولنا, وقلوب تتعالى صيحاتها في دواخلنا, وهناك واجبات ومتع اكثر أهمية لابد من الالتفات اليها قبل ان يمضي قطار العمر الذي ليس له خط عودة ابدا. لنستمع لضجيج الحياة في قلوبنا في يوم الاجازة على الاقل.. فلن نندم ابدا.