يتحدث السياسيون الغربيون الآن عن الأزمة الاقتصادية التي بدأت تدق أبوابهم, وكأنها أزمة جاءت على غير توقع, او ان مسؤولية هذه الأزمة تقع على عاتق الآخرين : اليابان والنمور الآسيوية وروسيا, وغيرها من الدول التي اندفعت الى تطبيق قوانين السوق المفتوحة بلا قيود, تلك النصائح التي أشار بها خبراء صندوق النقد الدولي باعتبارها الطريق الوحيد نحو التنمية والثراء والرفاهية, وتحقيق حلم (العولمة) الذي بدأ يداعب أذهان أصحاب النظريات الرأسمالية على اثر سقوط الاشتراكية الواقعية. حديث الساسة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة عن تلك الأزمة يبدو الآن مجوفا ومفرغا من محتواه, وخطابهم السياسي شبيه بالخطاب السياسي الذي استهلكته الصحف الحكومية في الدول المثقلة بالديون, ولا يتوقع لهذا الخطاب أن يكون له تأثير يذكر, لأنهم يعرفون ان تلك الأزمة من صنع أيديهم, بل انها كانت متوقعة منذ أن بدأت الولايات المتحدة في استخدام صندوق النقد الدولي كوسيلة لنشر طريقة جديدة من الاستعمار, الذي يجعل البلاد المتخلفة تقع أسيرة في شباكها دون أن تخسر جنديا واحدا على أرض المعركة. هذ ا الوضع المعكوس لمهمة صندوق النقد الدولي دفع بالعديد من خبراء السياسة والاقتصاد الغربيين الى المطالبة باعادة الصندوق الى دوره الذي نشأ من أجله, ومن خلال تحليلات هؤلاء الخبراء يمكن اكتشاف تلك الحقيقة الواضحة, التي لا تريد البلدان المدينة أن تراها, أو أن ساستها يتجاهلونها ويحاولون تجميلها لبيعها في أسواق السياسة المحلية, باعتبارها اجمل ما في الوجود, حتى يحصلوا على مسكنات وقتية تغنيهم عن مشاق مواجهة مشاكل بلدانهم خلال فترة تربعهم على كراسي السلطة, وليأتي من بعدهم الطوفان. مصداقية كلام الساسة الغربيين حول تلك الأزمة بدأت تفقد مذاقها, والخطط التي كانت معدة لبسط مزيد من الاستعمار الاقتصادي تحت شعار (العولمة) اصبحت من الخطورة بحيث باتت تهدد اقتصاد الدول الغربية نفسها, هذا الوضع دفع الخبراء الى التنبيه وتوضيح الأمور, ومحاولة اصلاح ما أفسده هؤلاء الساسة, حتى أن بعض الذين كنا نعرفهم بأنهم من غلاة الانتصار للرأسمالية, ومن ابرز مخططيها الاستراتيجيين مثل (هنري كيسنجر) بدأت أصواتهم تتعالى, وتحاول ان تنبه الى الخطر القادم اذا أستمر الساسة الغربيون في تجاهلهم لخطورة هذا الوضع, الذي لن تكون له سوى نتيجة واحدة, وهي تدمير ما تبقى من اقتصاد في العالم. كتب كيسنجر قبل أسابيع قليلة في صحيفة (هيرالد تريبيون) مقالا يكشف فيه الدور الخطر الذي يلعبه صندوق النقد الدولي الآن, ويؤكد على أهمية ان يعود الصندوق الى دوره الذي جرى إنشاؤه من اجله, يقول كيسنجر: (يجب العمل على إعادة تشكيل صندوق النقد الدولي ليعود الى أداء دوره كمستشار ومقرض على المدى القصير, لأن (الصندوق) اصبح مثل لاعب البوكر الذي يلعب لعبة خطرة من المؤكد انه الخاسر فيها, لأن اللعبة تجري على ارض السوق التي يمتلك اللاعبون الآخرون (البنوك) فيها أموالا تفوق ما يملك الصندوق) . إنها كلمات تستحق التوقف عندها, ليس فقط لمعناها بل لأنها أيضا صادرة عن أحد أهم الخبراء في مجال وضع الاستراتيجيات الاستعمارية, وأسالوا في هذا الواقع الذي تعيشه المنطقة العربية الآن, وحاولوا فقط القاء نظرة على الخارطة الناشئة عن مؤامراته التي حولت نصر أكتوبر الى ما يشبه الهزيمة, وصنعت من سلاح البترول العربي سلاحا مضادا يرتد الى صدورهم, حروب الخليج الاولى والثانية ليست أسوأ نتائجه, واغرق المنطقة كلها في دوامات من العنف والدماء. ويؤكد كيسنجر في مقاله, ان صندوق النقد الدولي اصبح مثل طبيب يصف (روشتة) العلاج لكل المرضى بالطريقة نفسها, دون تفرقة بين أعراض المرض الذي يصيب مريضا من آخر, ودون النظر الى الآلام التي يشعر بها كل منهم, أو قدرته على تحمل تلك النوعية من العلاج الموصوف. صندوق النقد الدولي الذي جرى إنشاؤه عام 1945 ليكون أداة للتنمية والتعاون بين الدول التي شاركت فيه منذ البداية, والمساعدة على اقامة نظام اقتصادي عالمي قوي, تحول الى أداة في يد الدول الغنية التي تشارك فيه, وبشكل خاص الولايات المتحدة الامريكية التي تمتلك حوالي 25.18 في المائة من رأسمال الصندوق, لان التصويت على قراراته يتم بنسبه ما يملكه كل عضو. من هنا أصبحت الموافقة على أي قرض لاي بلد يتقدم بطلب, خاضعة لتوجهات الدول الرئيسية المساهمة في رأسمال الصندوق, فاصبح على الدول المدينة ان تخضع أولا لمطالب الدول الرئيسية في الصندوق, وعليها ان تطبق قواعد معينة في توجيه اقتصادها الداخلي, ليضمن الصندوق عودة أمواله اليه بفوائدها وخدمات الديون, دون النظر الى قدرة تلك الدولة على الوفاء, ومدى تأثر اقتصادها بتلك القواعد, مما يعني خضوع اقتصاد تلك الدول الى توجهات صعبة, يصبح معها التوفيق بين الوفاء بتلك الديون والوفاء بالاحتياجات الداخلية مسألة شبه مستحيلة, خاصة في البلدان الفقيرة التي تعتمد شعوبها على الدعم الحكومي للسلع والخدمات الأساسية. (روشتة) صندوق النقد الدولي تعتمد على ثلاثة ركائز أساسية: التقليل من النفقات العامة من خلال خفض الانفاق على الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم(؟!), ورفع نسبة الفوائد المحلية لجذب رؤوس الأموال الأجنبية, اضافة الى خفض قيمة العملة المحلية من اجل زيادة حجم الصادرات والتقليل من حجم الواردات. لكن ثبت أن هذه (الروشتة) لها من الآثار السلبية اكثر مما لها من آثار ايجابية, لان خفض الانفاق الحكومي على الخدمات العامة تسبب دائما في ثورات شعبية هددت الاستقرار السياسي, أما خفض قيمة العملة ورفع نسبة الفوائد تسببت في مزيد من النزيف للاقتصاد المحلي, لان تلك البلاد التي تطبق هذه الروشتة لاتملك الكثير لتصديره الى الخارج, في حين أنها في حاجة الى الاستيراد الذي اصبح يلتهم كل دخولها, اضافة الى توجه رؤوس الأموال الاجنبية الى المضاربة للحصول على عوائد سريعة وربحية كبيرة لا يحققها الاستثمار في مجالات الانتاجية كالصناعة والزراعة. بعض قروض صندوق النقد الدولي تم منحها لبعض الدول لأسباب سياسية دون النظر الى مقدرة أسواقها على استيعاب هذه الأموال, مثل ما حدث في روسيا, فقد دخلت الأموال الى بلد كان ولا يزال يعيش أزمة تحوله من الاقتصاد الموجه الى اقتصاد السوق المفتوحة, فتسبب ذلك في بروز الفساد والمافيات وتدمير ما تبقى من بنية تحتية دون تقديم البديل. هذا الوضع المتردي الناتج عن ممارسات صندوق النقد الدولي الموجهة سياسيا لخدمة أهداف الولايات المتحدة, دفعت بالعديد من خبراء الاقتصاد الى تأييد بعض الاجراءات التي تحد من حرية انتقال الأموال, وتضع قيودا على اقتصاد السوق المفتوحة, باعتبار أن تلك القيود لازمة في زمن الأزمات لحماية الاقتصاد المحلي من الانهيار. ويطالب الخبراء الاقتصاديون أيضا, بأنه يجب على صندوق النقد الدولي والمؤسسات المصرفية الاخرى ان تضع في حسبانها وضع كل دولة على حدة, حتى لا تكون القروض سببا في زيادة حدة الأزمة بدلا من اخراج اقتصاد تلك الدولة من وضعه المنهار, وحتى يمكن تطبيق سياسة جديدة لابد من إعادة تطبيق قواعد أخلاقية جديدة للقائمين على تلك المؤسسات المصرفية, لأنه من الثابت ان مديري تلك المؤسسات كل ما يهمهم نجاحهم في تحقيق اعلى معدل من الأرباح, بدلا من مساعدة دول في مناطق معينة في تنمية اقتصادها. أشار الى هذا الأمر هانز تيتماير رئيس البوندز بانك (البنك المركزي الالماني), الذي انتقد تلك السياسة وطالب بخلق شبكة مالية قوية قائمة على أسس أخلاقية في مواجهة رؤوس الأموال المضاربة التي تتسبب في تلك الأزمات, التي يبدو اكثرها مصطنعا. العالم ليس في حاجة فقط الى إعادة تقويم اعوجاج سياسة صندوق النقد الدولي, بل في حاجة أيضا الى إعادة النظر في التطبيقات المتسرعة لما يسمى بالسوق المفتوحة, وما صاحبها من شعارات العولمة, ومقاومة الفساد الذي استشرى في العالم عبر تطبيق تلك الشعارات. العالم الآن في حاجة الى نظام اقتصادي منظم, ومحكوم بقواعد وضوابط تحد من الحرية المطلقة التي حصلت عليها رؤوس الأموال خلال السنوات الأخيرة, والتي تسببت في هذه الأزمة التي يبدو أنها لا تزال في بداياتها, وإلا فان العالم مقبل على أزمة تفوق ما شهده مع بدايات هذا القرن.