إذا لم تكن هناك صناديق شكاوى في المناطق التعليمية فنقترح المبادرة بوضعها, لكي تتلقى المناطق شكاوى مختلف المعنيين بالميدان التعليمي من تلاميذ وأولياء أمورهم إلى المدرسين والاداريين وبقية العاملين , فثمة شكاوى لاتصل الى المسؤولين وتدفن في مهدها, مما يفاقم المشكلات ويوتر الاجواء في المدارس ويتسبب في سلوكيات مخالفة للقواعد التربوية ولأصول الادارة. وبما انه من المفترض ان هناك اخصائيين اجتماعيين ومشرفين في كل مدرسة ومن فوقهم وكيل فوقه مدير يتولون الاشراف على المدرسة وشؤونها وحسن سير العمل فيها بما في ذلك الانضباط وحل المشكلات, فإن فكرة تدخل المناطق في حل المشكلات الميدانية قد تبدو تدخلا مباشرا في طريقة ادارة هؤلاء لمدارسهم, وقفزا على عملهم, ما يمكن ألا يستحسنه كثيرون, غير ان هذا التدخل السريع إن أمكن يصبح ضروريا عند عجز ادارة المدرسة عن حل مشكلاتها أو عند تطنيشها لهذه المشكلات, وتركها تنمو كالدمامل لكي تنفجر لاحقا. وسوف نقدم أمثلة لكي لا يصبح حديثنا من فراغ, مع التأكيد على أن هناك ادارات عاجزة فعلا أو قاصرة عن أداء دورها التربوي السليم, بل ان فيها ادارات تساهم بوعي أو من دون وعي بحسن نية أو من دونها, بالخطأ أو الإهمال أو القصور أو غيره من الأسباب, في خلق هذه المشكلات للأسف, من التي نراها ونسمع عنها في مدارسنا والتي تبدأ من ضرب التلميذ لمعلمه, ولا تنتهي بحالات عنف بين التلاميذ أنفسهم وحالات طرد وغيرها. ففي اسبوع واحد مثلا هناك المدرس الذي استشاط غضبا على تلميذ عنده, فخرج عن طوره وعن نموذجه التربوي المفترض, فشتم التلميذ شتيمة أقل ما يمكن أن يقال عنها بأنها (شوارعية) , رد التلميذ عليها بلكم المدرس لكمة عنيفة, وبدلا من أن تؤنب ادارة المدرسة المعلم إياه على شتمه التلميذ تلك الشتيمة التي لا أجرؤ على كتابتها حفاظا على حياء القراء, وتحويله إلى لجنة آداب وتحقيق مع تحذيره بعدم العودة الى الشتم مستقبلا, فإنها اكتفت فقط بطرد التلميذ من المدرسة, وكأنه المذنب الوحيد. وهناك مثلا المدرس الذي تعرض الى شغب ضده من أحد تلاميذ الفصل, وهو ما يحدث كثيرا في المدارس نتيجة فقدان المعلم لهيبته واحترامه أمام التلاميذ, فعاقب الفصل كله بالحرمان من الدرجات مصرا على ضرورة أن يبلغ بقية التلاميذ عن المشاغب بينهم, مما أعده لا طلبا تعجيزيا فحسب, بل أعده طلبا يتنافى مع قيم نحاول زرعها في التلاميذ تقوم على أنه لا تحمل وازرة وزر أخرى. وعلى الطريقة نفسها, فإن احدى المعلمات عاقبت تلميذات عندها بخصم خمس درجات من حصة السلوك بسبب غياب أمهاتهن عن حضور مجلس أمهات الفصل, كما عاقبتهن عند عدم حفظهن لأحد النصوص بالخصم خمس درجات أخرى علاوة على الطرد من الفصل لثلاثة أيام. وهكذا نرى, مع أمثلة أخرى كثيرة تضج بها مدارسنا الحكومية للأسف, مدرسين ومدرسات, ومديرين ومديرات, يتصرفون (على هواهم) بالطلاب والطالبات, ويصدرون العقوبات والأحكام والفرمانات, التي يصل بعضها الى حد التعسف العلني والاضطهاد المفضوح, دون أن يجد الذي تعرض لمثل هذا الظلم, طالبا كان أم مدرسا على السواء, وسيلة للتعبير عما وقع عليه أو جهة يلجأ اليها لاعادة الحق اليه, فنقترح لذلك صندوق الشكاوى إياه لكي ينجح في نقل شكاواهم وصوتهم الى المناطق, فتتدخل عند اللزوم وتمنع الاحتقان في المدارس, وتقضي على ما قد يكون عسفا يناقض قيم التعليم, وإذا لم ينجح في ذلك فيكفيه أن يكون متنفسا أو حائط مبكى يفرغ عليه المظلومون بعض مشاعر الظلم و ... الدموع إن لزم.