عجيب أن يمرّ حدث مهم كهذا مر الكرام .. أو كالنيزك الخاطف السريع الذي نراه في فضاء الأحداث العالمية يضيء بسرعة قصيرة من الزمن ثم يلفه العدم ويخفيه النسيان , عجيب ألا نقرأ تعليقا خافيا أو تحليلا شافيا على صفحات جرائدنا العربية والاسلامية, بينما الأمر يتعلق بنا ويهمنا مستقبلا شعوبا وحكومات, يوم الجمعة الماضي صوت الكونجرس الأمريكي على قانون غير اعتيادي يمنح الرئيس ــ كلينتون والذين يخلفونه ــ حق اتخاذ اجراءات عقابية ضد ما سماهم القانون الدول التي تضطهد الاقليات الدينية وهنا لابد من وقفة قراءة متأنية لهذا القانون. أولا: هذا القانون لايصدر عن دولة عادية أو متخلفة أو ضعيفة بل عن أكبر قوة عسكرية واستراتيجية, بل القوة العظمى الوحيدة في العالم التي تحمل نفسها رسالة (سياسة الدنيا) وها هي تضيف اليها رسالة (حراسة الدين) كأنما قرأت تعبير الإمام الغزالي الذي عرف به الخليفة ألا وهو (سياسة الدنيا وحراسة الدين ..) فأمريكا لم تتورع منذ ربع قرن عن اعلان مسؤوليتها الدولية في عدة مناطق من العالم وها نحن بإزاء قانون يوظفها كذلك لمراقبة شؤون الضمائر والسرائر. ثانيا: نص القانون مطاط يسمح بكل التفسيرات والتبريرات ويطلق يد السلطة التنفيذية الأمريكية وراء كل من تصنفه مخابراتها في صف المضطهدين (بالهاء المكسورة) (للدين) أو للاقليات التي تختلف معتقداتها عن معتقدات الأغلبية, ونود ان نسأل السادة اعضاء الكونجرس الذين أقروا هذا القانون المخول للصلاحيات عن مفهومهم للدين بكل بساطة, فهل يقصدون الأديان السماوية الثلاثة المتفق عليها ــ اليهودية ــ المسيحية ــ الاسلام, أم يضيفون اليها ما يسمى التجمعات العقائدية الكبرى كالبوذية والهندوسية والكنفوشية أم هم يحشرون في قائمة الأديان تلك الطوائف المنحرفة مثل البهائية والقاديانية وعبدة الشيطان والوثنية؟ انها اسئلة تستحق ان نطرحها من اليوم على السادة أعضاء الكونجرس ليحددوا لنا بالضبط مفهومهم للدين, لأنه حسب مفهومهم سوف نعرف مدى استهدافنا جميعا من ذلك القانون, وهل المذاهب أديان مستقلة أم فروع لأصل واحد مثلما هو الحال بالنسبة للسنة والشيعة في الاسلام وللكاثوليك والارثوذكس في المسيحية؟ ثالثا: في حالات كثيرة نجد العكس أي نجد أقلية دينية تضطهد الأغلبية والمثالان القائمان تحت أنظار العالم اليوم هما مثال 250 ألف صربي أرثوذكس يضطهدون مليونين ونصف المليون مسلم في اقليم كوسوفا, بمعاونة جيش صربيا النظامي والميليشيات المتطرفة, وتعاني الاغلبية المسلمة هناك شتى أنواع الابادة الدينية وحرق المدن والقرى واغتصاب النساء وتشريد الابرياء وتهجير الناس, فهل ينص القانون على معاقبة هذه الاقلية النازية الهمجية؟ والمثال الثاني الساطع هو اغتصاب اقلية يهودية لأرض وشعب فلسطين منذ خمسين عاما وتحويل تلك الأقلية الى اغلبية مزيفة مجلوبة في البواخر من شتى أنحاء المعمورة وتحمل المسلمون والمسيحيون الفلسطينيون كل أنواع القمع والقتل وما يزالون فهل يشملهم هذا القانون الأمريكي, أم ان المأساة الفلسطينية مقروءة في الكونجرس بالمقلوب؟ الأرجح أن النكبة الدينية والعرقية التي حلت بشعب فلسطين أصبحت لدى الكونجرس صفحة مطوية, بل لعل القانون المستحدث سيفيدنا أن رجال حماس والجهاد الذين يحررون أرضهم بما أتيح لهم من الوسائل محسوبون في عداد الارهابيين والظالمين للديانة اليهودية؟! رابعا: لايسعنا الا ان نتذكر كلمة السيناتور هاريسون حين قال: ان أمريكا تصدر للعالم المعدات والغذاء والعلوم وآن الأوان لكي تصدر للعالم قيم الأخلاق الأمريكية. فهل يأتي هذا القانون ليمهد لبعض التدخلات في شؤون المجتمعات باسم الدين بعد ان مورست التدخلات تحت شعار العمل الانساني (الصومال) وشعار مكافحة المخدرات (باناما) وشعار اعادة الشرعية (تاهيتي)؟ اننا بصدد اعادة تشكيل القانون الدولي حسب مقاس ومصالح الكبار, ومنذ اسبوع احتفلت الامم المتحدة ومعها ملك السويد باحياء ذكر الكونت برنادوت الذي اغتالته عصابات الصهاينة عام 1948 لأنه جاء الى فلسطين لاقرار الشرعية الدولية, وياله من رمز ساطع ناصع على أصول الإرهاب وأين نشأت وأين ترعرعت؟!