لم يشهد العالم في العصر الحديث تطورا تكنولوجيا غاص في أعماق المجتمع وحمل معه بوادر تغيير اجتماعي وتطور حضاري وغزو ثقافي مثل الانترنت . ولا يزال العالم يعيش مرحلة ما قبل الاستقرار بشأن هذه الظاهرة التكنولوجية الاعلامية الجديدة. ولعل ايجابياتها المتعاظمة ومخاطرها الواضحة خلقت ردود أفعال متباينة ازاءها. فالدولة مثل الفرد يصعب عليها أن تتخذ موقفا ازاء ظاهرة لم تتحدد معالمها بعد. والسؤال هو هل تسيطر التكنولوجيا على المجتمع؟ ام ان المجتمع يوظف التكنولوجيا لصالحه؟ بعبارة اخرى هل يصبح المجتمع ضحية التكنولوجيا؟ على أي حال فان الانترنت مثل اي مستحدث تكنولوجي لها دورة حياة لن تتخطاها فقد تجاوزت مرحلة دخول السوق الدولي منذ اوائل التسعينات من هذا القرن حينما بدأت الدول القائدة وقادة الرأي في هذه الدول في استخدام الانترنت ومع ظهور جدواها على المستوى العلمي والثقافي والاقتصادي والتقني انتقلت الى مرحلة النمو. اذ يشهد كل يوم جديد مستخدمين جدد لهذه الوسيلة التكنولوجية الفكرية الجديدة. وستظل هذه المرحلة ما دام هناك توسع في الاقبال على هذه الخدمة سواء من قبل مقدمي المعلومات او المستفيدين منها الى أن يتشبع المجتمع الدولي ويصل الى مرحلة الاستقرار والنضج ولسوف تهيمن الانترنت على سوق المعلومات في عالم اليوم الى ان يظهر بديلا جديدا يهدد بقاءها وتبدأ في الانزواء ليحل محلها عملاق جديد اكثر قدرة على اشباع اجتياجات البشر وايسر في الاستخدام واقل تكلفة ولكن الى أن يأتي هذا اليوم ستظل الانترنت تتحدى العالم. تحديات خلقتها الانترنت لا يستطيع منصف ايا كان انتماؤه الثقافي والديني ان ينكر الايجابيات التي اتت بها الانترنت ومن وجهة نظر اسلامية بحته تمثل هذه الوسيلة اداة لتحقيق ارادة الله في تعريف شعوب العالم بعضهم بالبعض الآخر (يا ايها الناس انا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم) ولكن الكارثة يمكن ان تقع اذا تعرفنا نحن عليهم ولم ننجح في تعريفهم بنا. هنا نقع في اشكالية الغزو الثقافي فالتعارف الذي نصت عليه الاية يحمل معنى التفاعل والتبادل المشترك للافكار والثقافات. فهل نحن قادرون على ذلك؟ هذا هو التحدي الاول ويعني ان كم ونوع المعلومات والمعارف التي نتلقاها اكبر آلاف المرات من كم ونوع المعلومات التي نقدمها عبر هذه الوسيلة وهنا نقع فريسة للآخر الذي يمكن ان يمحو اي شيء وكل شيء بما في ذلك اللغة والثقافة والقيم ونمط الحياة والشخصية. ومنذ سنوات قليلة مضت كان العالم منقسما الى شمال وجنوب وفي ظل حركة عدم الانحياز طالبت دول الجنوب بتدفق اعلامي ومعلوماتي متوازن فيما عرف باسم النظام الاعلامي الدولي الجديد ولكن مع انهيار الكتلة الشرقية وافول نجم حركة عدم الانحياز وسيادة نموذج القطب الواحد لم تعد هذه الدعوى قائمة على الرغم من ازدياد حدة الخلل ليس فقط بين الشمال والجنوب ولكن بين الشمال والشمال نفسه. اما التحدي الثاني الذي لايقل أهمية فهو تهديد الأمن القومي وقد عبرت دول المجموعة الاوروبية ذاتها عن تعرض سيادتها لتهديد محتمل نتيجة لاستخدام الانترنت في نشر المعلومات الخاصة بالجماعات الارهابية وتجارة المخدرات وصناعة المفرقعات وغيرها من الانشطة التي تهدد أمن واستقرار الدولة. تهديد الاستقرار الاقتصادي للدول من خلال نشر الموضوعات الدعائية المغرضة واساءة استخدام بطاقات الائتمان. الاساءة الى سمعة الدول والشركات والافراد والماركات التجارية من خلال الاعلانات الهدامة التي تنشر وتذاع مستهدفة الماركات المنافسة او الدول المنافسة. اساءة التعامل مع حقوق الملكية الفكرية للاعمال الفنية والمؤلفات العلمية وقواعد البيانات والموسوعات وغيرها من المصنفات الفنية. الاساءة لكرامة الانسان خاصة الاقليات واستخدام الانترنت كوسيلة للتمييز العنصري. وليس اقل اهمية مما سبق استخدامها لبث مواد وموضوعات وصور ذات مضامين جنسية مثيرة مما يؤثر سلبا على الشباب في بقاع مختلفة من المعمورة. ونتيجة لعموم الشكوى وعدم اقتصارها على ثقافة دون اخرى او دولة دون سواها اتجهت دول العالم وان كان بشكل فردي لاحتواء التحديات التي ولدتها هذه التكنولوجيا متعددة الابعاد. ولما كانت نظرة كل دولة وتقييمها لهذه الظاهرة مرتبطة بثقافتها ورؤيتها لايجابيات وسلبيات الظاهرة جاءت الاستجابات مختلفة. تحديات التشريع: في الوقت الذي بدأت فيه الكثير من دول العالم وضع تشريع يحكم مضمون الانترنت ويضبط حركة استخدامها لم تكن المشكلة في الهدف من التشريع ولكن لأى الظواهر نشرع؟ بعبارة أخرى لم تتفق وجهات نظر الحكومات بشأن توصيف ظاهرة الانترنت هل سيتم التعامل معها مثل وسائل البريد باعتبارها وسيلة بريد الكتروني؟ أم تخضع لنفس التشريعات المنظمة لوسائل الاتصال اللاسلكي بحكم استخدامها كوسيلة اتصال؟ هل ظهور الصحافة المطبوعة عبر هذه الوسيلة يجعلها أقرب الى تشريعات الصحافة أم ان الأنسب هو تطبيق التشريعات الاذاعية والتلفزيونية على الانترنت بعد دخولها عالم الاذاعة والتلفزيون؟ هل نتجاهل كل ذلك وننظر الى هذه الظاهرة الجديدة من منظور مادي تكنولوجي بحت ويتم التشريع لها دوليا مستفيدين بأسلوب التعامل القانوني مع صناعة الكمبيوتر؟ وأخيرا ظهرت أصوات هنا وهناك ترى أهمية التعامل مع الظاهرة من منظور اعلاني تجاري بعد دخول المعلنين هذا العالم الالكتروني الجديد. وقد ناقش بنج هوا انج الاستاذ بالجامعة التكنولوجية بسنغافورة في دراسة مهمة بعنوان أساليب تنظيم الدول للانترنت المناهج التي اتبعتها بعض دول العالم للاقتراب من هذه الظاهرة المتعددة الابعاد وكانت أهم نتائج دراسته ما يلي: ــ اختلاف استجابات الدول للتحديات التي خلفتها الانترنت وان كان الباعث الأساسي ثقافي بالدرجة الأولى فكل دولة تسعى لحماية هويتها. ــ تحديات الانترنت لا تهدد الدول الضعيفة فقط ولكن القوى العظمى كذلك. ــ تعاملت معظم الدول مع الانترنت باعتبارها وسائل اعلام الكترونية (اذاعية وتلفزيونية) أكثر من كونها أي شيء آخر ومن ثم فإن التشريعات التي تحكم عمل الاذاعة والتلفزيون هي الاقرب للتطبيق مع الانترنت. ومن أهم التشريعات التي اتخذتها الدول للرقابة على الانترنت ما يلي: 1ــ في الولايات المتحدة صاحبة أكبر تجربة في حرية الاعلام المسموع والمرئي صدر قانون يعاقب بالسجن أي مرسل أو متلق للمواد الجنسية عبر الانترنت, وفي خلال الأعوام الثلاثة الماضية أجرى مكتب التحقيقات الفيدرالية 200 تحقيق أثمرت عن 66 حكما والقبض على 88 مجرما. 2ــ في فرنسا ظهرت محاولة شديدة التزمت من قبل الدولة تعطي البوليس الحق في مراقبة مضمون الانترنت, وفي عام 1996 أنشأت لجنة لهذا الغرض أوصت بضرورة التعاون الدولي لمراقبة وتعظيم التواجد الفرنسي ودعم اللغة والثقافة الفرنسية وطالبت اللجنة بوضع ميثاق شرف دولي لاستخدام الانترنت. 3ــ أصدرت سنغافورة تشريعا لمراقبة بعض فئات الانترنت, خاصة ما يتعلق بالدين أو السياسة, ويعطي الحكومة الحق في منع المواقع التي تهدد الأمن القومي, وتضم هذه المواقع مائة موقع أطلقت عليها اسم القائمة السوداء وتحقق لها ذلك من خلال نظام (بروكسي) . 4ــ تتعامل الصين بكل حزم مع أي مواد سياسية أو دينية أو ثقافية ويتدرج عقاب منتهكي التشريع الصيني من الانذار الى الغرامة التي تبلغ 15 ألف يوان (ما يعادل أجر عامل صيني لمدة عام كامل). 5ــ في كوريا الجنوبية يحق لوزير الاعلام ان يصدر أوامره بحذف أو مصادرة أي مضمون يشتبه في اساءته للجمهور أو تعارضه مع السياسة العامة للدولة, خاصة ما يتعلق بالدعاية المضادة أو المواد التي تبدي تعاطفا مع كوريا الشمالية. وفي ضوء هذا القانون تم مصادرة 220 ألف رسالة قدمتها احدى الجهات العاملة في تقديم المعلومات خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام 1996. 6ــ أصدرت ألمانيا حديثا قانون الوسائط المتعدد الذي يحظر الدعاية المضادة, كما يحظر الاستخدام الجنسي للانترنت ويرفض أي مادة تتعلق بالهولي كوست. وينبغي لنا ان نتساءل.. أين نحن من هذه الظاهرة؟ ان أخوف ما نخافه هو الاتجاه الى احكام الرقابة على واحد من أهم مصادر المعلومات والتطوير العلمي والتقني في عالم اليوم تحت دعاوى الأمن القومي أو ما شابه مما يحيل هذه المجتمعات الى جزر منعزلة عن التفاعل الايجابي العالمي وعلى الجانب الآخر فإن شيوع استخدام وتبني هذه الوسيلة الاعلامية الجديدة دون قيد أو شرط سوف يحمل في طياته احتمال فوضى اجتماعية يمكن ان تهدد الهوية الثقافية لمجتمعاتنا وتصبح المعادلة الصعبة هي كيف نتعامل مع الانترنت لتحقيق أقصى فائدة ممكنة في ظل أقل الخسائر المتوقعة؟ ولن نصل الى ذلك ما لم نخضع تحديات الظاهرة للبحث الجاد حتى نحافظ على ثقافة الاسلام والعرب لنكون بحق خير أمة أخرجت للناس! * استاذ بقسم الاتصال الجماهيري ـ جامعة الامارات