لا يحتاج العالم اليوم الى حروب عظيمة ومعارك ضارية لكي يموت بسببها آلاف من البشر, فهناك من الأسباب الأخرى ما يكفي لإبادة المئات في حادث واحد , وفي غمضة عين, حتى تراجعت مع مثل هذه الاسباب اهمية الحروب في قتل البشر, فهذه اصبحت نظيفة الى الدرجة التي تندلع فيها وتستمر اياما طويلة ومع ذلك يكون عدد ضحاياها من القتلى او الجرحى اقل من عدد ضحايا حادث سيارة, على النحو الذي كانت عليه حرب تحرير الكويت مثلا. فهذه الحرب التي اذهلت العالم ووصفت بأنها حرب اليكترونية استخدمت فيها وسائل حديثة تماما لشن غارات صاروخية وضرب مواقع حيوية, لم يمت فيها من الامريكيين وبقية جنود التحالف الدولي سوى عدد قليل لم يزد على اصابع اليد الواحدة, مقابل ضحايا حادث حافلة ركاب مثلا, في الوقت نفسه لم يزد عدد ضحايا العراق من جنود ومدنيين على السواء, على ما أعلن عن ذلك, عن ضحايا حادث قطار من الحوادث التي يشهدها العالم بين حين وآخر. وهكذا, وكمثال, فقد اجتمع على العالم في وقت واحد بين يومي الاحد والاثنين الماضيين عدة حوادث متنوعة ومتفرقة, للعالم الثالث منها حصة الاسد, كان من نتيجتها قتل اكثر من ستمائة شخص, وإصابة مثل الرقم السابق نفسه أو اكثر, لأسباب مختلفة تبدأ من الاهمال وتمر بالثورة والعنف السياسي ولا تنتهي بعقب سيجارة قاتل, تعددت الاسباب والموت واحد. فهناك قطار كفر الدوار في مصر الذي حصد حوالي 50 قتيلا وأكثر من 100 جريح بأسباب قيل انها تعود الى السرعة وقيل انها تعود لعبث بعض الركاب المتسلقين بالفرامل, وهناك تفجير خط انابيب في كولومبيا حصد 45 ضحية فيهم نساء وأطفال وأكثر من 50 جريحا, قام به ثوار معارضون, وهناك ايضا عدة حوادث اخرى من غرق زورق في ماليزيا الى تدهور حافلة في نيبال, حصيلتهما اكثر من 30 قتيلا و30 جريحا, مع استثناء ضحايا الكوارث الطبيعية من زلازل وفيضانات كالتي ضربت الهند وتكساس وأوكرانيا مثلا في يوم واحد تقريبا. طبعا الكارثة الاكبر هي التي حصدت حوالي 500 قتيل دفعة واحدة وخلفت مئات آخرين من الجرحى وكان مسرحها جنوب نيجيريا اثر انفجار انبوب نفط, ليرفع رقم ضحايا هذه الكارثة اجمالي القتلى الى حوالي ألف في أقل من يومين, وهو رقم لا تحصده حروب وعمليات عسكرية الا في شهور, ويبقى من بين الحوادث كلها, حادث نيجيريا الأكثر غرابة ومأساوية نسبة, لا لعبث الانسان بمصيره وإهماله, وانما لعبث السياسة أيضا بالناس, ممثلة في سياسة نيجيريا تجاه مواطنيها, كنموذج لسياسات العالم الثالث كله. فقد عرف ان العدد الكبير من القتلى من النساء والاطفال توافدوا على أنبوب نفطي أصابه تسرب للحصول على البنزين المسكوب وهم يحملون صفائح معدنية, حتى وقع الانفجار بسبب إما شرارة من سيجارة أو من محرك دراجة, في منطقة تعج بحقول النفط البرية في نيجيريا, التي تعتبر واحدة من أكبر المصدرين الأعضاء في أوبك. غير ان نيجيريا الغنية بنفطها افتراضا لا يتمتع مواطنوها في مناطق النفط نفسها بمنافع هذا النفط كالكهرباء مثلا, ان لم نقل العوائد المالية, التي تجلب الرفاه والمستوى المعيشي المتقدم, بدليل تدافع ضحايا الانبوب لملء صفائحهم منه, في محاولة للحصول على حصة من نفط بلادهم لاستخدامه كوقود للطبخ مثلا, فنعرف ان نيجيريا مثل النخلة الطويلة (العوانة) في المثل الشعبي التي ترمي بلحها بعيدا ونعرف أكثر ان الحروب ليست وحدها التي تقتل البشر, فالسياسات تفعل أكثر وهي الأسبق في القتل.