يحسدك البعض أحيانا على المهنة التي تمارسها خاصة حين تحقق لك هذه المهنة شهرة ما او وضعية اجتماعية جيدة او دخلا ماديا محترما, تماما كما قد يحسدك البعض على شكل الحياة الباذخة التي تتمتع بها, دون ان يعلم من يحسدك شيئا عن خفايا هذه المهنة او مآزق الحياة اليومية التي تحياها , لان المعروف ان الناس يحكمون بظواهر الامور عادة. وبسبب هذه الطبيعة المتسرعة في الحكم فهم يعتقدون أن المبتسم والضاحك شخص سعيد بالضرورة, وان صاحب الاموال لا مشاكل لديه, فالمال يحل له كل مشاكله, واصحاب الشهرة الفنية او الاجتماعية يظنهم اغلبنا اشخاصاً محظوظين محاطين دوما بالاصدقاء والاضواء وبكل ما يتمنون. وبالتأكيد فان الحقيقة شيء آخر تماما. بيل كلينتون ـ مثلا ـ يحكم العالم من خلال امريكا التي بدورها تسير امور الكرة الارضية, ولم يُر كلينتون بائسا خلال سبع سنوات من حكمه سوى ايام معدودات خلال زلزال فضيحة مونيكا, ومع ذلك فكلينتون اتعس الرجال في امريكا قياسا بوضعه. مستقبل كلينتون مهدد باجراءات عزل غير مسبوقة في تاريخ امريكا, ومطالب بملايين الدولارات كأتعاب محاماة في قضية مونيكا ـ جيت, وفي تسويات مع نساء اخريات,وسيحرم ـ اذا عزل ـ من راتب التقاعد الرئاسي (151 الف دولار سنويا), وقد لا يجد وظيفة محترمة فيما بعد, كما قد ترفع عليه هيلاري قضية طلاق وستكسبها حتما اذا لم يوافق على طلبها بالخضوع لعلاج نفسي من حالة الهوس الجنسي الذي يعاني منه, فاذا تم الطلاق خسر كلينتون كل امواله المودعة في حسابات باسم زوجته هيلاري! الناس في معظمهم يحسدون بعضهم البعض, دون ان يدروا في الحقيقة انهم يكلفون أنفسهم عناءً لا داعي له, ذلك انه لا شيء يستحق الحسد الا راحة البال, وهذه من المستحيلات التي قلما توجد حاليا. قلت يوما لاحدى الصديقات: هذا الوعي الذي احسه يسكن البعض ويؤرق حياته, هل يمكن الا ان يكون شكلا آخر للمعاناة والمأساة والقلق المزمن. فقالت بدهشة: اعتقدت بان اصحاب الوعي محظوظون, وكنت احسدهم على ذلك! تذكرت عندها قول الشاعر: حتى على الموت لا اخلو من الحسد. في تقرير اخباري بثته قناة ابوظبي الفضائية جاءت المعلومات التالية حول الصحافة والصحفيين الذين يحسدهم الناس على مهنتهم وحرية تنقلاتهم والهالة التي تحيط بهم, يقول التقرير: في السنوات العشر الاخيرة لقي 475 صحفيا حتفهم في اماكن تغطية الاخبار, وفي دول كثيرة من العالم يقع الصحفيون ضحايا العصابات ومافيا المخدرات, واصحاب النفوذ. ما يزيد في قلق عدد ضخم من العاملين في مهنة البحث عن الحقيقة ان نصف دول العالم لا تحترم حرية الصحافة, ولا تسمح لهم بتكوين نقابات خاصة, وغالبا ما تتم معالجة مشكلة صحفي مشاكس (باحث عن الحقيقة) بزجه في السجن او التخلص منه على قارعة الطريق. في النهاية لا أظن أن وضعا معينا او مهنة ما تستحق الحسد, لانه ما من مهنة تخلو من الوجه الاخر الذي لا يراه الاخرون, ولذلك فهم يحسدون الوجه المشرق الذي يرونه فقط.